تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
« 1 » . فإن الأنبياء عليهم السّلام مع عصمتهم لا يتأتى أن تصدر عنهم المعصية ، ويقترفوا الذنب بمعنى مخالفة مادة من المواد الدينية التي هم المرسلون للدعوة إليها ، والقائمون قولا وفعلا بالتبليغ لها ، والمفترض طاعتهم من عند اللّه ، ولا معنى لافتراض طاعة من لا يؤمن وقوع المعصية منه ، تعالى اللّه عن ذلك . وهكذا يحمل على هذا الباب ما حكي عن بعضهم عليهم السّلام من الاعتراف بالظلم ونحوه كقول ذي النون :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
« 2 » إذ كما يجوز عدهم بعض الأعمال المباحة الصادرة عنهم ذنبا لأنفسهم وطلب المغفرة من اللّه سبحانه ، كذلك يجوز عده ظلما من أنفسهم لأن كل ذنب ظلم . وقد مرّ أن هنالك محملا آخر وهو أن يكون المراد بالظلم هو الظلم على النفس كما في قول آدم وزوجته :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
« 3 » . وإياك أن تتوهم أن معنى قولنا في آية : إن لها محملا كذا ومحملا كذا هو تسليم أن ذلك من خلاف ظاهر الكلام ثم الاجتهاد في اختلاق معنى يحمل عليه الكلام ، وتطبق عليه الآيات القرآنية تحفظا على الآراء المذهبية ، واضطرارا من قبل التعصّب . فقد بيّنا أن ظاهر الكلام لا يقتصر في تشخيصه على الفهم العامي المتعلق بنفس الجملة المبحوث عنها بل للقرائن المقامية والكلامية المتصلة والمنفصلة - كالآية المتعرضة لمعنى آية أخرى - تأثير قاطع في الظواهر ، وخاصة في الكلام الإلهي الذي يفسّر بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، ويصدق بعضه بعضا . والغفلة عن هذه النكتة هي التي أشاعت بين عدة من المفسرين وأهل الكلام إبداع التأويل بمعنى صرف الكلام إلى ما يخالف ظاهره ، وارتكابه
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 285 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 87 . ( 3 ) سورة الأعراف : 23 .