تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
العقل الإنساني ونظيره القول في تسمية النواهي العقلية نواهي ، وهذا دأبنا في جميع موارد التلازم فإذا فرضنا العمل بأحد المتلازمين لا نلبث دون أن نأمر بإتيان الآخر ووجوبه ، ونرى التخلف عن ذلك عصيانا لهذا الأمر العقلي ، وذنبا يستحق به نوع من المؤاخذة . ويظهر من هنا أمر آخر وهو أن هذه الفضائل لما كانت مشتملة على واجبات لا محيص عن التلبس بها - ومثله اشتمال الرذائل على المحرمات - وعلى أمور مندوبة مستحبة هي كالزينة والهيئة الجميلة فيها - وهي الآداب الحسنة التي تتعلق بها أوامر عقلية استحسانية إلّا أنها إذا فرضت ظرفا لأحد منا كان ما يلازمها من الآداب وهي مندوبة في نفسها - مأمورا به عقلا أمرا إيجابيا قضاء لحق الظرفية المفروضة ، مثال ذلك أن البدوي العائش عيشة العشائر البدوية لما كان ظرف حياته بعيدا من المستوى المتوسط في الحياة الحضرية لا يؤاخذ إلّا بالضروريات من أحكام المجتمع والسنن العامة التي يناله عقله وفهمه ، وربما أتى بالوقيح من الأعمال أو الركيك من الأقوال فيغمض عنه الحضري معتذرا بقصور الفهم وبعد الدار من السواد الأعظم الذي تكرر مشاهدة الرسوم والآداب فيه أحسن معلم للناس القاطنين فيه . ثم المتوسط من الناس الحضريين لا يؤاخذ بما يؤاخذ به الآحاد النوادر من المجتمع الذين هم أهل الفهم اللطيف والأدب الظريف ، ولا عذر فيما يقع من المتوسط من الناس من ترك دقائق الأدب وظرائف القول والفعل إلّا أن فهمه على قدر ما يأتي به ، لا يشعر من لوازم الأدب بأزيد مما يأتي به وظرفه هو ظرفه . وما يأتي به مما لا ينبغي هو مما يؤاخذ به الأوحديون من الرجال فربما يؤاخذون بلحن خفي في كلام أو بتبطؤ يسير في حركة أو بتفويت آن غير محسوس في سكون أو التفات أو غمض عين ونحو ذلك فيعد ذلك كله ذنبا منهم ، وليس من الذنب بمعنى مخالفة المواد القانونية دينية كانت أو دنيوية ، وقد اشتهر بينهم أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وكلما دق المسلك ولطف المقام ظهرت هنالك خفايا من الذنوب كانت قبل تحقق هذا الظرف مغفولا عنها لا يحس بها الإنسان المكلف بالتكاليف ، ولا يؤاخذ بها ولي المؤاخذة والمحاسبة .
الكبائر والصغائر — صفحة 88 | السيد محمدحسين الطباطبائي