تضع أحكاما جزائية يجازى على طبقها المتخلف العاصي عن القوانين الاجتماعية ويثاب المطيع الممتثل .
وفي هذه المرحلة لا يسمى باسم الذنب إلّا التخلف عن متون القوانين العملية ، وتحاذي الذنوب لا محالة في عددها مواد الأحكام الاجتماعية ، وهذا هو المغروز المركوز في أذهاننا معاشر المسلمين أيضا من معنى لفظ الذنب والألفاظ التي تقارنه في المعنى كالسيئة والمعصية والإثم والخطيئة والحوب والفسق ونحوها .
لكن الأمر لا يقف على هذا الحد فإن الأحكام العملية إذا عمل بها وروقبت وتحفظ عليها ساق المجتمع إلى أخلاق وأوصاف مناسبة لها ملائمة لمقاصد المجتمع التي هي غاية اجتماعهم ، وهذه الأخلاق هي التي يسميها المجتمع بالفضائل الإنسانية ويحرص ويحرض عليها ، وتقابلها الرذائل .
وهي وإن كانت مختلفة باختلاف السنن والمقاصد في المجتمعات إلّا أن أصل إنتاج الأحكام الاجتماعية لها مما لا سبيل إلى سدّه وإعفائها عنه .
وهذه الأخلاق الفاضلة وإن كانت أوصافا روحية لا ضامن لإجرائها في مقام العمل في المجتمعات ، وكانت غير اختيارية بلا واسطة لكونها ملكات لكنها لكونها في تحققها تتبع تكرر العمل بالأحكام المقررة في المجتمع أو تكرر التخلف عن العمل كانت نفس العمل بالأحكام ضامنة لإجرائها ، وتعد اختيارية باختيارية مقدمتها وهي تكرر العمل ، وتتصور في مواردها أوامر عقلية متعلقة بالأخلاق الفاضلة كالشجاعة والعفة والعدالة ، ونواه عقلية تردع عن الأخلاق الرذيلة كالجبن والتهور والخمود والشره والظلم ، وكذا يتصور لها عقاب وثواب يسميان بالعقاب والثواب العقليين كالمدح والذم .
وبالجملة تتحقق بذلك مرتبة من مراتب الذنب فوق المرتبة السابق ذكرها ، وهي مرتبة التخلف عن الأحكام الخلقية والأوامر العقلية المتعلقة بها .
ولم تعد هذه الأوامر العقلية أوامر إلّا من جهة التلازم بين الأعمال الواجبة التي تسوق إليها وبينها ، فهناك حاكم يحكم بالوجوب ويأمر به وهو
الكبائر والصغائر — صفحة 87
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٨٧