تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وليس ذلك كله إلّا قياسا لنظام التكوين إلى نظام التشريع الذي لا قوام له إلّا الوضع والاصطلاح والتعاهد الذي لا يتجاوز ظرف الاجتماع سعة ، ولا يعدو دنيا الإنسان المجتمع . ولو أنهم تفطنوا قليلا وتدبروا في أطراف الآيات المتعرضة لأمر الذنب والمعصية بالمعنى المصطلح عليه ، وهي مخالفة الأمر والنهي المولويين تنبهوا إلى أن من المغفرة ما هو فوق المغفرة المعروفة . فإن اللّه سبحانه يكرر في كلامه أن له عبادا يسميهم بالمخلصين مصونين عن المعصية لا مطمع فيهم للشيطان فلا ذنب - بالمعنى المعروف - لهم ولا حاجة إلى المغفرة المتعلقة بذلك الذنب ، وقد نصّ في حق عدة من أنبيائه كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى أنهم مخلصون كقوله في إبراهيم وإسحاق ويعقوب :
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ
« 1 » ، وقوله في يوسف :
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
« 2 » ، وقوله في موسى :
إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً
« 3 » وقد حكى عنهم سؤال المغفرة كقول إبراهيم عليه السّلام :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ
« 4 » وقال موسى عليه السّلام :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ
« 5 » ، ولو كانت المغفرة لا تتعلق إلّا بالذنب بالمعنى المعروف لم يستقم ذلك . نعم ربما قال القائل : إنهم عليهم السّلام يعدون أنفسهم مذنبين تواضعا للّه سبحانه ولا ذنب لهم ، لكن ينبغي لهذا القائل أن يتنبّه إلى أنهم عليهم السّلام لم يخطئوا في نظرهم هذا ، ولم يجازفوا في قولهم فلشمول المغفرة لهم معنى صحيح والمسألة جدية . على أن دعاء إبراهيم عليه السّلام :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
دعاء لكافة المؤمنين - وفيهم المخلصون - بالمغفرة ، وكذا في
هامش
( 1 ) سورة ص : 46 . ( 2 ) سورة يوسف : 24 . ( 3 ) سورة مريم : 51 . ( 4 ) سورة إبراهيم : 41 . ( 5 ) سورة الأعراف : 151 .