بأسماء اللّه الحسنى وصفاته العليا ونحو ذلك .
فإن قلت : التسبب بمثل القضاء والقدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية ، وفي ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة ، واختلال نظام هذه النشأة الطبيعية ، فإنه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات وترك الفرح والأسى كما استفيد من الآية السابقة إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ ، ومقضية بقضاء محتوم أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق ، وكسب كل كمال مطلوب ، والاتقاء عن كل رذيلة خلقية وغير ذلك ، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق ، والدفاع عن الحق ونحو ذلك بأن الذي سيقع منه مقضي مكتوب ، وكذا يجوز أن نترك السعي في كسب كل كمال ، وترك كل نقص بالاستناد إلى حتم القضاء وحقيقة الكتاب ، وفي ذلك بطلان كل كمال .
قلت : إن الأفعال الإنسانية من أجزاء علل الحوادث ، ومن المعلوم أن المعاليل والمسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها ، فقول القائل : إن الشبع إما مقضي الوجود ، وإما مقضي العدم ، وعلى كل حال فلا تأثير للأكل غلط فاحش ، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج لا يستقيم إلّا بعد فرض تحقق الأكل الاختياري الذي هو أحد أجزاء علله ، فمن الخطأ أن يفرض الإنسان معلولا من المعاليل ، ثم يحكم بإلغاء علله أو شيء من أجزاء علله .
فغير جائز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيوية ، وإليه تنتسب سعادته وشقاؤه ، وهو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال والملكات الحاصلة من أفعاله ، غير أنه كما لا يجوز له إخراج إرادته واختياره من زمرة العلل ، وإبطال حكمه في التأثير ، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا ، وعلّة تامة إليه تستند الحوادث ، من غير أن يشاركه شيء آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي في رأسها الإرادة الإلهية فإنه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل ، والفرح والأسى ، والغم ونحو ذلك .
يقول الجاهل : أنا الذي فعلت كذا وتركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله - وهو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن
الكبائر والصغائر — صفحة 9
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٩