تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
اختياره الناقص ، وهي ألوف وألوف لو لم يمهد له الأمر لم يسد اختياره شيئا ، ولا أغنى عن شيء - يقول الجاهل : لو أني فعلت كذا لما تضررت بكذا ، أو لما فات عني كذا ، وهو جاهل بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني الربح أو العافية ، أو الحياة - إلى ألوف وألوف من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقق الفوات أو الموت - انعدام واحد منها ، وإن كان اختياره موجودا ، على أن نفس اختيار الإنسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان فالاختيار لا يكون بالاختيار . فإذا عرفت ما ذكرنا وهو حقيقة قرآنية يعطيها التعليم الإلهي كما مرّ ، ثم تدبرت في الآيات الشريفة التي في البحث وجدت أن القرآن يستند إلى القضاء المحتوم والكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض . فما كان من الأفعال أو الأحوال والملكات يوجب استنادها إلى القضاء والقدر إبطال حكم الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه ، بل يدفعه كل الدفع كقوله تعالى :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
« 1 » . وما كان منها يوجب سلب استنادها إلى القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان في التأثير ، وكونه سببا تاما غير محتاج في التأثير ، ومستغنيا عن غيره ، فإنه يثبت استناده إلى القضاء ويهدي الإنسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ بسالكه ، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلا ، ولا يحزن بما فقده جهلا كما في قوله تعالى :
وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ
« 2 » ، فإنه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء اللّه تعالى ، وكما في قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 3 » ، فإنه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنه من رزق اللّه تعالى ، وكما في قوله تعالى :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً * إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 28 . ( 2 ) سورة النور : 33 . ( 3 ) سورة البقرة : 3 .