تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
فهذه موارد متنوعة من العفو الإلهي . وليس من قبيل ما تقدم قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
« 1 » فإنه دعاء نظير قولنا : غفر اللّه لك لم فعلت كذا وكذا ، ونظيره على الخلاف قوله تعالى :
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
« 2 » وليس من ذاك القبيل أيضا قوله تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
« 3 » ، ويدل على ذلك جعل المغفرة غاية متفرعة على فتحه تعالى مكة لنبيه ولا رابطة بين مغفرة الذنب بمعنى الإثم وبين الفتح . 3 - للعفو مراتب : لما كان العفو والمغفرة يتعلق بالذنب الذي يستتبع نوعا من المجازاة والعقاب ، وللجزاء كما عرفت - عرض عريض ومراتب مختلفة متشتتة أتبعه العفو في اختلاف المراتب حسب اختلافه ، وليس الاختلاف الواقع في نفس الذنب أعني التبعة السيئة التي يستتبعها العمل ؛ فالاختلاف فيها مما لا سبيل إلى إنكاره ، والجزاء سواء كان عقابا أو ثوابا إنما يوزن بزنتها . فمما لا محيص عنه في بحثنا هذا هو البحث عن الذنب واختلاف مراتبه ، والتأمل فيما يهدي إليه العقل الفطري فإن البحث وإن كان قرآنيا يراد به الحصول على ما يراه الكتاب الإلهي في هذه الحقائق غير أنه تعالى على ما بيّن في كلامه يكلمنا على قدر عقولنا وبالموازين الفطرية التي نزن بها الأشياء في مرحلتي النظر والعمل . وقد استمد تعالى في موارد من بياناته بالعقل والفكر الإنساني ، وأيد به مقاصد كلامه فقال تعالى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ *
أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ
وما في معناهما . والذي يفيده الاعتبار الصحيح هو أن أول ما يتعلق به ويحترمه المجتمع الإنساني هو الأحكام العملية والسنن المحترمة التي تحفظ بالعمل بها والمداومة عليها مقاصده الإنسانية وتهديه إلى سعادته في الحياة ، ثم
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 43 . ( 2 ) سورة المدثر : 19 . ( 3 ) سورة الفتح : 2 .