تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
2 - العفو والمغفرة : استنتجنا من البحث السابق جواز ترك المجازاة على المعصية بخلاف الطاعة ، وهو حكم فطري في الجملة مبني على أن العقاب حق للمعصي على العاصي ، وليس من الواجب إعمال الحق دائما . غير أنه كما لا يجب إعمال حق العقاب دائما كذلك لا يجوز تركه دائما وإلّا لغى القضاء الفطري بثبوت الحق ، ولا معنى لثبوت شيء لا أثر له ولا في وقت من الأوقات على أن إلغاء حق العقاب من رأسه هدم للقوانين الموضوعة الحافظة لبنية الاجتماع وفي هدمها هدم الاجتماع بلا ريب . فالحكم - وهو جواز العفو عن الذنب - ثابت في الجملة ، والقضية مهملة فإن كان هناك سبب مسوغ بحسب الحكمة للعفو جاز العفو وإلّا وجبت المجازاة احتراما للقوانين الحافظة لبنية المجتمع وسعادة الإنسان ، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 1 » . ويوجد في القرآن الكريم من أسباب المغفرة مما تمضيه الحكمة الإلهية سببان كليان : أحدهما : توبة العبد إلى اللّه سبحانه أعم من رجوعه من الكفر إلى الإيمان أو رجوعه من المعصية إلى الطاعة قال تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
« 2 » ، وهذه هي التوبة من المعصية إلى الطاعة ، ولم ينف فيه نفع الشفاعة . وقال تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 118 . ( 2 ) سورة الزمر : 55 .