فينا ، ولا نشك أنا نستعمل لفظ الحب فيها بمعنى واحد على سبيل الاشتراك المعنوي دون اللفظي ، ولا شك أن المصاديق مختلفة ، فهل هو اختلاف نوعي أو غير ذلك ؟
إذا دققنا النظر في حب ما هو غذاء كالفاكهة مثلا وجدناه محبوبا عندنا لتعلقه بفعل القوة الغذائية ، ولولا فعل هذه القوة وما يحوزه الإنسان بها من الاستكمال البدني لم يكن محبوبا ولا تحقق حب ، فالحب بحسب الحقيقة بين القوة الغاذية وبين فعلها ، وما تجده عند الفعل من اللذة ، ولسنا نعني باللذة لذة الذائقة فإنها من خوادم الغاذية وليست نفسها ، بل الرضى الخاص الذي تجده القوة بفعلها ، ثم إذا اختبرنا حال حب النساء وجدنا الحب فيها يتعلق بالحقيقة بالوقاع ، وتعلقه بهن ثانيا وبالتبع ، كما كان حب الغذاء متعلقا بنفس الغذاء ثانيا وبالتبع ، والوقاع أثر القوة المودعة في الحيوان ، كما كان التغذي كذلك أثرا لقوة فيه ، ومن هنا يعلم أن هذين الحبين يرجعان إلى مرجع واحد وهو تعلق وجودي بين هاتين القوتين وبين فعلهما أي كمالهما الفعلي .
ومن المحتمل حينئذ أن يكون الحب هو التعلق الخاص بهذين الموردين ولا يوجد في غير موردهما لكن الاختبار بالآثار يدفع ذلك ، فإن لهذا التعلق المسمى حبا أثرا في المتعلق ( اسم فاعل ) وهو حركة القوة وانجذابها نحو الفعل إذا فقدته وتحرجها عن تركه إذا وجدته ، وهاتان الخاصتان أو الخاصة الواحدة نجدها موجودة في مورد جميع القوى الإدراكية التي لنا وأفعالها وإن قوتنا الباصرة والسامعة والحافظة والمتخيلة وغيرها من القوى والحواس الظاهرية والباطنية جميعها - سواء كانت فاعلة أو منفعلة - على هذه الصفة فجميعها تحب فعلها وتنجذب إليها وليس إلّا لكون أفعالها كمالات لها يتم بها نقصها وحاجتها الطبيعية ، وعند ذلك يتضح الأمر في حب المال وحب الجاه وحب العلم فإن الإنسان يستكمل نوع استكمال بالمال والجاه والعلم .
ومن هنا يستنتج أن الحب تعلق خاص وانجذاب مخصوص شعوري بين الإنسان وبين كماله ، وقد أفاد التجارب الدقيق بالآثار والخواص أنه يوجد في الحيوان غير الإنسان ، وقد تبين أن ذلك لكون المحب فاعلا أو
الكبائر والصغائر — صفحة 70
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٧٠