تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
التوحيد الخالص الكامل الذي يختص به الإسلام على مشرّعه وآله أفضل الصلاة هذا . فإن تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الذي يبحث فيه عن تمدّن الإسلام ، وحاصله : أن الذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن شؤون المدنية التي بسطتها الدعوة الدينية الإسلامية بين الناس من متبعيها ، والمزايا والخصائص التي خلفها وورثها فيهم من تقدم الحضارة وتعالي المدنية ، وأما المعارف الدينية التي يشتمل عليها الإسلام فهي مواد أخلاقية يشترك فيها جميع النبوّات ، ويدعو إليها جميع الأنبياء هذا . وأنت بالإحاطة بما قدمناه من البيان تعرف سقوط نظره وخبط رأيه فإن النتيجة فرع لمقدمتها ، والآثار الخارجية المترتبة على التربية إنما هي مواليد ونتائج لنوع العلوم والمعارف التي تلقاها المتعلم المتربي ، وليسا سواء قول يدعو إلى حق نازل وكمال متوسط وقول يدعو إلى محض الحق وأقصى الكمال ، وهذا حال هذا المسلك الثالث ، فأول المسالك يدعو إلى الحق الاجتماعي ، وثانيها يدعو إلى الحق الواقعي والكمال الحقيقي الذي فيه سعادة الإنسان في حياته الآخرة ، وثالثها يدعو إلى الحق الذي هو اللّه ، ويبني تربيته على أن اللّه سبحانه واحد لا شريك له ، وينتج العبودية المحضة ، وكم بين المسالك من فرق ! . وقد أهدى هذا المسلك إلى الاجتماع الإنساني جما غفيرا من العباد الصالحين والعلماء الربانيين ، والأولياء المقربين رجالا ونساء ، وكفى بذلك شرفا للدين . على أن هذا المسلك ربما يفترق عن المسلكين الآخرين بحسب النتائج ، فإن بناءه على الحب العبودي ، وإيثار جانب الرب على جانب العبد ، ومن المعلوم أن الحب والوله والتيم ربما يدل الإنسان المحب على أمور لا يستصوبه العقل الاجتماعي الذي هو ملاك الأخلاق الاجتماعية ، أو الفهم العام العادي الذي هو أساس التكاليف العامة الدينية ، فللعقل أحكام ، وللحب أحكام « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع الميزان المجلد 1 ص 351 .