هامش
- مع أن المؤمنين الملتزمين أكثر بلاء من غيرهم : ففي الحديث : ( البلاء موكل بالأنبياء ، ثم بالأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ) .
ثم إن الشهداء هم الذين عاصروا ظلمات التاريخ وطغيان الظالمين ، ورأوا من الويلات ما أزهدهم في الحياة ، حتى ارتضوا التضحية بأنفسهم لإنقاذ الآخرين ، وأخيرا كللوا جهادهم بالشهادة ، فكيف يصح تصنيفهم في السعداء ؟
ولعل السبب في ذلك كله : أن السعادة أمر ينبع من الداخل ولا يجلب من الخارج ، ويحظى الذين يظنون أن وسائل السعادة هي الرتبة والراتب والشهرة والمنصب ، وأن السعادة تخلد إلى القصور المترفة والأعراش المتخمة بين الكواعب والكؤوس ، فيشقون في سبيل تحصيلها ، ثم يشقون في بحبوحتها ، وهم في الحالتين يلهثون خلف حلم السعادة ، لأنها عبء يشقي طالبه ويشقي عامله . وإذا كانت السعادة غنوة لا تنبض إلا بين أضلاع كوخ تخفق جوانحه لسبحات الفجر على ثغاء نعجة حلوب بين نكهة السنابل ورقصة الورود للنسيم . .
لأن السعادة هي الاغتباط ، ولا يغتبط الإنسان إلا إذا ضمن ربحا أكثر من جهده وأمن الخسر والضرر ولا يضمنه ولا يأمنها غير المؤمن الملتزم ، الذي لا يعمل إلا عملا مثمرا دنيويا أو أخرويا ، أو دنيويا وأخرويا معا فلا يضيع جهده أبدا ، ولأنه لا يعبث ولا يهزل يجد في كل خسارة ربحا أكبر ، وفي كل مصيبة ابتلاء يهيئه لقفزة أعلى ، فلا ينكب أبدا .يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَسورة الصف ، الآيتان 10 - 11 .وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَسورة البقرة ، آية 155 .
وإلى هذا الواقع يشير الإمام علي عليه السّلام : ( إن المتقين أكلوا الدنيا بخير ما أكلت ولبسوها بخير ما لبست ونكحوها بخير ما نكحت ) .
وبما أن المؤمن الملتزم يجد أمان المقاييس الصحيحة للحياة لا يؤخذ بالعادات والتقاليد والاعتبارات الزائفة فيلبس لنفسه لا للباس ويسكن لنفسه لا للسكن ويأكل لنفسه لا للطعام فيستهلك ضروراتها ولا تستهلكه الضرورات فيأخذ من الدنيا ما يسعد به ولا يعطي نفسه للدنيا حتى يشقى بها .
وأما الذي يجهد ساعات ليجني ساعة ، ويصاب مرات حتى يصيب مرة ، ثم يكون حزينا على ما فاته ، قلقا على ما ناله ، بين التخوف من حسيب والتوجس من رقيب ممزقا بين العادات والتقاليد والاعتبارات الأنانية أو الجائزة ، فإنه لا ينعم بما له ولا ينجو مما عليه .
ثم إن النفوس القلقة المضطربة أشبه بالعناصر الجهنمية فلا بد أن تجتذب إليها وتتمحور فيها . وإن النفوس الوادعة المطمئنة أشبه بالعناصر الجنينية فلا بد أن تجتذب إليها -