هامش
- فالإنسان لم يخلق يوم ولادته ، ولا ينتهي يوم وفاته ، وإنما هو خلق كان - قبل هذا العالم - في عوالم سابقة ، وسيبقى - بعد هذا العالم - في عوالم لاحقة .
والعوالم السابقة ، عوالم عمل ما كهذا العالم - باختلاف في نوعية العمل - وهكذا عالم البرزخ وعالم القيامة ، ولو بالنسبة إلى من لم يكملوا دورة تكاملهم - على الأقل - .
فالذي كانت أعماله في العوالم السابقة إيجابية ، تنعكس عليه في هذا العالم إيجابيا . ومن كانت أعماله في العوالم السابقة سلبية ، تنعكس عليه في هذا العالم سلبية .
ومن عمل لنفسه في العوالم السابقة فعمله ينعكس عليه في هذا العالم مواهب ومقدرات ، ومن عمل لغيره في العوالم السابقة فعمله ينعكس عليه في هذا العالم مذمات أو تراث يأتيه من الآخرين .
تماما ، كما أن من حمل شعاع أهل البيت إلى غيره في هذا العالم ينعكس هذا العمل عليه شفاعة يوم القيامة ، ومن أطبق ظلم الطواغيت على غيره في هذا العالم ينعكس هذا العمل عليه ظلمات يوم القيامة .
وهكذا ينتقل كل فرد حصيلة عمله من عالم إلى عالم ، فتكون حصيلة العمل في كل عالم سابق أرضية العمل في العالم اللاحق ، فقد يولد فرد وعليه ركام من شقاء العوالم السابقة ، بينما فرد آخر وحوله هالة سعادة من العوالم السابقة .
وقد سجل هذا الواقع في الحديث المعروف : ( السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه ) .
ولا بد من التنويه إلى أن الأعمال في العوالم مختلفة تؤدي نتائج متناسبة معها ، فهنالك أعمال إيجابية من النوع السفلي فتكون نتائجها سفلية في هذا العالم كالثروة والشهرة والمنصب والنساء والأولاد حسب تلك الأعمال ، وإلى جانبها أعمال إيجابية من النوع العلوي ، تكون نتائجها علوية في هذا العالم ، كالتقوى والعلم والإمامة والنبوة حسب تلك الأعمال ، لأن كل عمل يؤدي إلى نتيجة متشابهة كما أن كل شجرة تثمر ثمرة مشابهة ، وكما أن كل شتلة تتفتح عن ورد أو شوكة حسب تركيبها ، ولذلك ثبت عن الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) كما ثبت أنه لعن أناسا قبل أن يولدوا .
فكل ما في هذا العالم تستقي جذوره من روافد العوالم السابقة ، وكل روافد هذا العالم يسقي جذورها في العوالم اللاحقة أو لم يقل اللّه تعالى :وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناًسورة الحج ، آية 58 ؟ أوليس في الحديث : ( الدنيا مزرعة الآخرة ) ؟
فما يسمى ( حظّا ) في عرف الناس ليس إلا حصيلة الأعمال السابقة إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وهذا هو الذي يعبر عنه في المصطلح الديني بالرزق .
ولعل الشاعر أشار إلى هذه الحقيقة بقوله :