وأما الأئمة عليهم السّلام فإنهم يسألون اللّه تعالى فيخلق ، ويسألونه فيرزق « 1 » إيجابا لمسألتهم ، وإعظاما لحقهم « 2 » .
هامش
( 1 ) السؤال قد يكون شفويا وربما يكون إراديا بأن يتوجه السائل إلى اللّه توجه عبودية واستمداد . والأئمة عليهم السّلام يمارسون السؤال بقسمين ، فإذا نطقوا سألوا وإذا صمتوا توجهوا .
( 2 ) هل يقتصر دور الأئمة وسائر المعصومين من الأنبياء والأوصياء على السؤال من اللّه أم أن دورهم أوسع ؟
الظاهر من القرآن والسنة أن المعصومين يمارسون المعجزات بصلاحياتهم لا عن طريق السؤال من اللّه ، كما يوحي بذلك قول عيسى ابن مريم :أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِسورة آل عمران ، آية 49 . ويؤكد قول اللّه تعالى :وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِيسورة المائدة ، آية 110 ، والإذن هو عدم المنع ، وليس إجابة السؤال .
ويشبه هذا التعبير قول آصف بن برخيا لسليمان بن داود :أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَسورة النمل ، آية 40 . ولم يقل أنا أسأل اللّه أن يأتيك به .
فالمعصومون - وخاصة أصحاب الولاية الكونية - لهم صلاحيات يتحركون من خلالها بالقدرات المخولة لهم من اللّه ، ويكفيهم إذن اللّه أي عدم وجود مانع يحدد صلاحياتهم ، ولا يحتاجون إلى السؤال من اللّه ما داموا يتحركون من خلالها ، فإذا أرادوا التحرك خارج نطاق صلاحياتهم كان عليهم أن يسألوا اللّه ، وهو يجيب دعاءهم لأنهم يعرفون المقاييس الكونية فلا يسألون غير المقبول . تماما كالموظف الذي يتمتع بصلاحيات معينة من قبل الدولة ، وهو يتصرف يدون مراجعة المسؤول الأعلى ما دام تصرفه ضمن صلاحياته ، فإذا شاء الخروج عنها احتاج إلى السؤال ويأتيه بالموافقة لأنه يعرف مقاييس الدولة ولا يسأل غير المعقول .
كل ما هنالك أن المعصومين قد يقارنون بالله ، فهم عبيد طائعون لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، وربما يقاربون بمن سواهم من الناس ، فهم أصحاب صلاحيات واسعة بالقول وهم بأمره يعملون ، وإذا قارنتهم بغيرهم ، فهم أصحاب قدرات كونية لا يملكها كثير من مخلوقات اللّه . كما جاء عن جبرئيل عليه السّلام في قوله تعالى :ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍسورة التكوير الآيتان 20 و 21 .
وقد نلخص : بأن للمعصومين من البشر - كالملائكة - جانبان : جانب التأثر وجانب التأثير ، فبالنسبة إلى اللّه هم الكف الضارعة ، وبالنسبة إلى غيرهم هم اليد العليا .
وقد ورد السؤال - في هذه الرسالة - من الجانب الأول ، فكان من الطبيعي أن يكون الجواب كما هو مثبت أعلاه ، وفي بعض الرسائل ورد السؤال عن الجانب الثاني كرسالة إسحاق بن يعقوب فكان من الطبيعي أن يكون الجواب كما سبق في جوابه .