فقال : ( يا بن المازيار أبي أبو محمد « 1 » عهد إلي أن لا أجاور قوما غضب اللّه عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم « 2 » وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ومن البلاد إلا قفرها واللّه - مولاكم « 3 » -
هامش
( 1 ) يعني والده الإمام الحسن العسكري عليه السّلام فهو الذي أوصاه بالهجرة من المجتمعات الفاسدة التي قتلت آباءه الطاهرين إلى المناخات البريئة والأجواء النقية من الجبال الوعرة والصحارى المقفرة التي لا تلوثها أشباح الظالمين .
( 2 ) يقصد جميع المجتمعات - منذ الغيبة إلى الظهور - فكل هذه المجتمعات تتألف من أقوام غضب اللّه عليهم ولعنهم ، بدليلين :
الأول : إن اللّه أبعد حجته عنهم ، وتركهم في ظلمات يعمهون ، فهم في الماضي كما هم اليوم في كل مكان يعيشون شريعة الغاب ، فالأقوياء يتكالبون على دنياهم تكالب الهراش على الجيفة ، والضعفاء يتساقطون في الولايات تساقط الفراش في النار ، حتى لا يوجد إنسان إلا وهو ظالم أو مظلوم ، أو ظالم ومظلوم في آن واحد ، على اختلاف درجات الظلم وأنواعه .
الثاني : إنهم لا يريدون حجة اللّه فيهم إلا مجرد رمز يماري ويداري ، ويغازل ويجامل ، فيماري المظلوم ويبارك الظالم ، ولو ظهر حجة اللّه بالأمس أو اليوم في أي مجتمع من المجتمعات البشرية ، كما هو وكما يريده اللّه معبرا عن إرادة اللّه الصارمة ، يكون نصيبه الشهادة ، إلا إذا تسلح بقواه السماوية التي تعلو ولا يعلى عليها كما ظهر سليمان وذو القرنين .
وهذان الدليلان يثبتان أن هذه المجتمعات برمتها ملعونة مغضوب عليها .
وأما الأفراد الصالحون الذين يتحفزون ولا يملكون التغيير ، فهم قلائل متبعثرون ، لا يشكلون شريحة يمكن الاستناد إليها في اجتياح قوى الشر أو الصمود أمامها ، بدليل أنهم في الماضي لم يستطيعوا الدفاع عن الأنبياء والأوصياء ، وهم اليوم يعلنون ، ولا يشكلون قوى ضاربة ، ولا كتلة تملك الاستقلال والخروج بنفسها من طغيان المجتمعات .
إنهم - حتى اليوم - أشبه باللآلئ المتفرقة في قاع البحر ، تحجبها التيارات والأمواج عن الشمس ، دون أن تمثل قاعدة تستطيع التعبير عن ذاتها .
فمجمل المجتمعات يمثل صف الباطل ، لأن أكثر الأقوياء مصلحيون فيقفون في صف الباطل ، وينسحبون على الرعاع الذين هم مع الغالب كيفما كان وضد المغلوب مهما كان .
( 3 ) كلمة ( مولاكم ) عطف بيان على ( اللّه ) أي إن اللّه أعلن ( التقية ) في قوله عز وجل :إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةًسورة آل عمران آية 28 . ( فوكلها بي ) وجعلني تحت حكم التقية .
و ( التقية ) هي الابتعاد عن نقاط الاحتكاك في الوقت غير المناسب .
وإذا كان اللّه قد أمر الإمام المهدي ( عجل اللّه فرجه ) بالهجرة من المجتمعات المتوترة -