تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
هامش
- ولا بد هنا من التوقف عند نقطتين : الأولى : يزعم بعض المغرورين أن أئمة أهل البيت لم يندفعوا نحو الانتقام ولم يدفعوا شيعتهم إلى الانتقام ، لأنهم لم يكونوا قادرين عليه . ولكن الذي يدرس أئمة أهل البيت يعرف أنهم كانوا قادرين على الانتقام ورفضوه بمحض إرادتهم . مضافا إلى أنهم لم يتركوا في تراثهم أي توجيه إلى الانتقام ، رغم أنهم بنظراتهم الثاقبة كانوا يستطلعون مستقبلا مشرقا للشيعة كما قالت السيدة زينب الكبرى للإمام زين العابدين في اليوم الحادي عشر من المحرم لما مروا بأسارى آل الرسول على مصارع قتلاهم ، وكاد الإمام زين العابدين يجود بنفسه لما رأى جثث الحسين وأصحابه على التراب : ( ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وأخوتي . فو اللّه إن هذا العهد من اللّه إلى جدك وأبيك ، ولقد أخذ اللّه ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات ، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة فيوارونها ، وينصبون بهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء ، لا يدرس أثره ، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام . وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا علوا ) كامل الزيارات ص 261 . وأمثال هذا المعنى يتردد في أحاديث أهل البيت ، وكان باستطاعتهم أن يضمنوا أحاديثهم أي توجيه انتقامي يعمل به الشيعة عندما تستتب لهم الأمور ، ولكنهم لم يفعلوا ، ولذلك قامت دول عديدة للشيعة في آسيا وأفريقيا فلم ينزلوا المجازر بخصومهم عندما انتصروا ، وتحملوا المجازر كلما هزموا ، فكانوا - عبر التاريخ - كما قالت السيدة فاطمة الصغرى بنت الحسين لأهل الكوفة :ملكنا فكان العفو منا سجية * فلما ملكتم سال بالدم أبطح فحسبكمو هذا التفاوت بيننا * وكل إناء بالذي فيه ينضحالثانية : إن التأكيد على أن الإمام المهدي ينتقم من أعداء اللّه قد يوحي إلى بعض الناس : أنه سيقتل عشرات الملايين أو مئات الملايين من الناس عندما يظهر ، خاصة وأنه لا يظهر إلا بعد أن تمتلئ الأرض ظلما وجورا ، فيصبح كل إنسان ظالما أو مظلوما ، أو ظالما ومظلوما في آن واحد . وتطهير الأرض - في مثل هذه الحالة - لا يتم إلا بإبادة الملايين . ولكن الذي يدرس حياة الإمام المهدي بعد الظهور يفاجأ بخلاف ذلك ، فالخط القتالي للإمام المهدي يبدأ بالحجاز ويمر بدمشق وفلسطين وينتهي بالكوفة في جنوب العراق . ثم تستسلم له حكومات الدنيا ، ومن الواضح عسكريا أن هذا الخط القصير لا يتحمل الكثير من الضحايا . مضافا إلى أن الانتقام من أعداء اللّه ليس بالقتل فقط ، وإنما بإزاحتهم عن السلطات في العالم ، وإبطال مبادئهم ، ولعل الثاني هو الانتقام العميق الصحيح في حضارة الإمام المهدي .
موسوعة الكلمة — صفحة 277 | السيد حسن الحسيني الشيرازي