هامش
- يستوعبهما بضغط ، وإذا حاولت أن تضغط فيه ألف رطل من الماء فسرعان ما ينفجر .
وهكذا كل إنسان له ظرفية فكرية أو نفسية ، فإذا حاول معرفة الأشياء والأمور ، فإنه يعرف بمقدار ظرفيته ، وإذا حاول المزيد تعرض للهلاك ، وإذا لم يحاول شيئا بقي فارغا ، كأكثر الناس الذين يعطلون مواهبهم . وفي كل الحالات يبقى الكون مفتوحا ، ويبقى الكسل أو العجز من جانب الإنسان . وهذان الأمران : الكسل والعجز هما اللذان أوجدا مفهوما فوقيا اسمه : ( السر ) بينما الواقع أنه لا توجد لا في الماديات ولا في الماورائيات أشياء أو أمور محجوبة ممروكة بماركة ( أسرار ) .
إلا إذا كان ( السر ) تعبيرا عن ( الغيب ) الذي يقابل ( الشهور ) وهو - أي الغيب - ما لا يدرك بالحواس الخمس ، كما قد يستشعر ذلك من قول الإمام علي الهادي عليه السّلام - في زيارة الجامعة الكبيرة - : ( . . . وارتضاكم لغيبه ، واختاركم لسره . . . ) في إشارة واضحة إلى آيتين من القرآن . فالجملة الأولى : ( ارتضاكم لغيبه ) إشارة إلى قوله تعالى :عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداًسورة الجن الآيتان 26 - 27 . والجملة الثانية : ( واختاركم لسره ) إشارة إلى قوله سبحانه :وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ- سورة آل عمران آية 179 - حيث وضع الإمام الهادي عليه السّلام كلمة ( اختاركم ) موضع كلمة ( يجتبي ) ووضع كلمة ( لسره ) موضع كلمة ( على الغيب ) . وأولياء اللّه عليهم السّلام يمتازون بأمرين :
1 : مواهب متنوعة قابلة للامتداد والاستيعاب بشكل غريب لا تتصوره العقول العادية .
2 : مساع متواصلة لا تعترف بالكلل والملل .
وكلما انطلقت طاقات هائلة بالسرعة القصوى ، وبدون أي تردد أو توقف ، فإنها تحرز مكاسب ضخمة تعتبر - بالنسبة إلى غير أصحابها - أسرارا .
وحيث إن أولياء اللّه يتجهون في سعيهم إلى اللامتناهي : إلى اللّه ، ترتفع مطامحهم كلما تقدموا إذ تتضح لديهم آفاق جديدة تشجعهم على الاستزادة والسرعة فلا يضعون نقطة الختام لمساعيهم مهما بلغوا ، ولا ينالون مكسبا إلا ويستخدمونه في مسيرتهم نحو الكمال لمنحهم زخما جديدا يساهم في قوة دفعهم نحو الأعلى - على ما في هذه الألفاظ من ضيق في التعبير البشري الذي لا يناسب مقام أولياء اللّه - .
ونحن القاصرين الذين لا نملك مثل تلك المواهب ، والكسلين الذين لا نبذل مثل تلك المساعي الحثيثة ، والجامدين الذين لا نستحصل مكسبا إلا ونفرح باستهلاكه ، فلا نطوره إلى طاقة دفع جديدة ، لا يبقى أمامنا إلا أن نعتبر كثيرا من معارف الأولياء ( أسرارا ) كما لا يبقى أمامنا إلا أن نستعين ب ( الإجمال ) فننشد اللّه بما يدعوه به ولاة أمره . ومعنى ( المأمونون على سرك ) أن لأولئك الولاة الظرفية الكافية ، لتلك المعارف ، فلا يستخدمونها لأغراض أنانية أو غير مشروعة ، ولا تتسرب منهم إلى من لا يتحملونها .