على سرك « 1 » المستبشرون بأمرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك .
هامش
( 1 ) سر يسر سرورا : أعجبه . والإعجاب بالشيء هو الانشراح به . فإن كان خفيفا يبقى في الباطن ، سمي : سرورا ، وإن كان شديدا يطفح على الظاهر ، سمي : فرحا . فكل ما يؤدي إلى السرور فهو سر ، ولذلك قيل - في معنى السر - : إنه : خالص الشيء . أطيب الشيء وأفضله . الأرض الطيبة الكريمة الأصل . . .
وبما أن أكثر الناس سطحيون يتناولون الأمور ببساطة ، ولا يعنون بالتعمق فيها واستيعابها ، تبقى لبابها بعيدة عنهم ، فإذا كشفت لأحد لبس أمر . يقال : إنك أسررت إليه ، لأنك أعجبته . حيث أعفيته عن بذل الجهد في سبيل الوصول إلى لب ذلك الأمر .
فالسر : كل ما يعجب وإن لم يكن فيه غموض ، ولكنك تعجب كلما تكشف لغيرك اللباب ، وتحرق دونه المراحل . أما السرّ بمفهومه السائد ، وهو أن يكون شيء غامضا محجوبا بالطبع فلا يوجد ، لأن كل ما في الكون واضح مفتوح في محله ، كل ما هنالك أن أكثر العقول لا تواصل البحث عن كثير من الأشياء والأمور ، أو تبذل الجهد المناسب لمعرفة بعض الأشياء ، ولكنها قاصرة عن إدراكها فكما أن المعادن الجوفية كانت - منذ ملايين السنين - في باطن الأرض وكان الناس منصرفين عنها ، فلما توجهوا إليها وبحثوا عنها توصلوا إليها ، هكذا الأشياء والأمور كلها مشاعة متروكة لجميع الخلق ، وباستطاعة كل من يحاول أن يتوصل إلى ما له الاستعداد لاستيعابه ، فالفارق الوحيد هو بين من يحاول ومن لا يحاول ، وبين من له قابلية مناسبة ومن ليست له قابلية مناسبة . أي إن الفارق من جانبنا ليس من جانب الأشياء والأمور التي نعتبرها أسرارا . ولذلك قد يكون شيء سرا بالنسبة إلى زيد لأنه لم يبحث عنه ، بينما هو ليس سرا بالنسبة إلى عمرو الذي بحث عنه . كما قد يكون شيء سرا بالنسبة إليك لأنك لا تتسع له ، فيما هو ليس سرا بالنسبة إلى أستاذك لأنه يتسع له .
فمثلا أبو ذر الغفاري أسبق إسلاما من سلمان الفارسي ولكن ظرفيته كانت أقل من ظرفية سلمان ، فلم يعط له النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بمقدار ما أعطى لسلمان ، وحق فيهما القول المأثور : ( لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ) أي لقتله العلم . ويصح أن نتجاوز إلى القول : ولو علم سلمان ما في قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لقتله العلم . وإذا أردنا الاستعانة بالأمثلة المادية نستطيع القول : إن البحر مفتوح لا حصار عليه ، ولكنك قد تستقبله بإناء يتسع لرطل من الماء فتكون حصتك رطلا منه ، وربما تستقبله بإناء يسع ألف رطل من الماء فتكون حصتك ألف رطل ، وإذا تكاسلت عن تجشم الذهاب إلى البحر والاغتراف منه لا تنال منه شيئا . وفي جميع الحالات لا شح في البحر ، وإنما أنت وظرفك هما الوحيدان اللذان يقرران أن لك حصة أو لا ؟ ويحددان كمية حصتك على الفرضية الأولى . وفي الحالة الأولى - أيضا - إذا كان ظرفك يسع رطلا واحدا من الماء وأفرغت فيه رطلا من الماء فإنه يستوعبه بارتياح ، وإذا كبست فيه رطلين فقد -