وأما علة ما وقع من الغيبة فإن اللّه عز وجل قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
« 1 » .
إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه .
وإني أخرج - حين أخرج - ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي « 2 » .
هامش
- وفي غيبة الإمام المهدي عليه السّلام حيث عجز الناس عن إيصال الخمس إليه أباحه لشيعته ولو ضمن مقاييس ، منها التصرف فيه بتوجيه الفقهاء المراجع باعتبارهم متخصصين في مصالح الشيعة .
تماما كما لو أباح غني ثروته لأقربائه بوضعها تحت تصرف كبارهم لصرفها في مصالح صغارهم ، حتى لا تعرض للضياع ، فيكون من قبيل إباحة الحق لا إباحة العين .
( 1 ) سورة المائدة ، الآية 101 .
( 2 ) لا بد من الاعتراف بأننا لا نعرف السبب الحقيقي للغيبة ، ربما لأن العقل البشري في هذه المرحلة غير مؤهل لاستيعابه ، وإعلانه يؤدي إلى مضاعفات سلبية ، كما أنه غير مؤهل لهضم أكثر الوقائع اليومية ، ولذلك يحرص السياسيون في العالم كله على كتمان أكثر التطورات الحساسة عن الشعوب ، إلا بعد أن تفقد وطأتها فتذكر كقصص قديمة في المذكرات .
ولقد مرت بالبشر - فيما نعرف - فترتان احتجبت فيهما عنه مصادر الوحي ، الأولى فترة الجاهلية بين عيسى ابن مريم والنبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والثانية فترة الغيبة الكبرى . وفي الفترة الأولى كان عدد من أنبياء اللّه موجودين كالخضر وإلياس وبعض أوصياء عيسى ابن مريم ، ولكن عمدة ولايتهم انحصرت في الجانب التكويني ، وفي فترة الغيبة الكبرى ، يوجد الإمام المهدي إلى جانب الخضر وإلياس ، ولكن معظم ولايته - أيضا - منحصرة في الجانب التكويني .
ربما لأن العناصر البشرية التي ترسل إلى الحياة الدنيا في هاتين الفترتين دون الحد الأدنى لمعاشرة المعصومين .
وربما لأن الزمان فاسد . والزمان شيء كالمكان بفارق أن فاعلية الزمان أكثر ، وإن كان أكثر الناس لا يفهمون الزمان .
وربما لأن اللّه أراد لوليه المدخر لتطهير الأرض أن يبقى خارجا على أنظمة الطواغيت . وهذا ما صرح به الإمام المهدي ، ولعله من جملة الأسباب للغيبة الكبرى ، ولكنه ليس السبب الأساس فالغيبة أهم من ذلك ، بل هي أهم من ( فترة الرسل ) التي سبقت الإسلام ، لأنها أطول وأعمق ، ولعلها أشمل إذ ربما كان - في تلك الفترة - في بعض قارات الدنيا أنبياء محليون . بينما لا يوجد في فترة الغيبة نبي ولا وصي غير الإمام المهدي وهو غائب لا يظهر حتى يأذن اللّه له .