وأما وجه الانتفاع في غيبتي ، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب « 1 » وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل
هامش
( 1 ) هذا النص يرمز إلى الولاية الكونية ، وإذا أردنا التوسع في هذا المجال نستطيع القول : إن الأنبياء والأوصياء مصنفون إلى ثلاثة أصناف :
الأول : أصحاب الولاية الشرعية ، ولعله كان منهم يونس وشعيب ولوط وذا الكفل واليسع وأمثالهم من النبيين الذين خولهم اللّه صلاحية الوساطة الشرعية بين اللّه وعباده . فقد كانوا مرسلين إلى أقوامهم يبشرون بشرائع اللّه ، شأن الفقهاء في الإسلام الذين تقتصر مهمتهم على بيان الأحكام الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
بفارق أن الأنبياء يتلقون معارفهم من اللّه وحيا أو من وراء حجاب أو بواسطة ملك من الملائكة ، والفقهاء يتلقون معارفهم من اللّه بواسطة النبي وأوصيائه .
الثاني : أصحاب الولاية الكونية ، كالخضر وإلياس ويوشع بن نون وآصف بن برخيا ، ونظرائهم الذين خولهم اللّه صلاحية الوساطة الكونية بين اللّه وخلقه ولعله اقتصرت مهمتهم على تنظيم الروابط الكونية تلقيا من اللّه وتفريغا على الخلق .
ولقد كان إبراهيم الخليل رسولا يتمتع بالولاية الشرعية قبل أن يمتحنه اللّه في نفسه وماله وأهله ، فلما نجح في الامتحانات الثلاثة خوله الولاية الكونية ، وسجله قرآنا للأجيال التي تليه :وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَسورة البقرة ، آية 124 .
وكان موسى صاحب الخضر رسولا يمتاز بالشريعة - باعتباره من الرسل - ولكنه لم يؤهل للولاية الكونية فلما وجد الخضر وقد آتاه اللّه الولاية الكونية أراد أن يتتلمذ عليه حتى يؤهله لها ، غير أن الخضر لم يجد في صاحبه موسى قابلية الكونية . وقد أثبت اللّه قصتهما في التوراة والإنجيل والقرآن لتبقى علامة فارقة بين الولايتين في أذهان الأجيال ، وربما نرى ملامح هذه القصة متكاملة في سورة الكهف ابتداء من قوله تعالى :وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباًآية 60 حتى نهاية آية 82 .
الثالث : أصحاب الولايتين الشرعية والكونية كإبراهيم الخليل والنبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وربما كان في الرسل من يتمتع بالولايتين ولكن لا أذكر دليلا على ذلك .
وأما الأئمة الاثني عشر فإنهم من أصحاب الولاية الكونية إلى جانب الولاية الشرعية التي انتقلت إليهم من الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وصاية لا تأسيسا - والأدلة العقلية والنقلية على ذلك كثيرة يمكن تتبعها في مظانها .
والولي الكوني هو الذي ترمز إليه الأحاديث الواردة بمضامين تتفرغ في معنى واحد : ( لو خلّيت قلبت ) ، ( لو انقطعت الحجة لساخت الأرض بأهلها ) ، ( أول من خلق اللّه الحجة وآخر -