النسيان ، فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة ، ولا انقضت له حسرة ، ولا مات له حقد ، ولا استمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذكّر الآفات ، ولا رجاء غفلة من سلطان ، ولا فترة من حاسد ، أفلا ترى كيف جعل في الإنسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان ومتضادان ، وجعل له في كلّ منهما ضربا من المصلحة ، وما عسى أن يقول الذين قسموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضادة المتباينة ، وقد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح والمنفعة .
تكريم الإنسان بالحياء
انظر يا مفضّل إلى ما خصّ به الإنسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق الجليل قدره ، العظيم غناؤه ، أعني : الحياء ، فلو لاه لم يقر ضيف « 1 » ولم يوف بالعداة ، ولم تقض الحوائج ، ولم يتحرّ الجميل ، ولم يتنكّب القبيح في شيء من الأشياء ، حتى أن كثيرا من الأمور المفترضة أيضا إنما يفعل للحياء فإن من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه ولم يصل ذا رحم ، ولم يؤدّ أمانة ، ولم يعف عن فاحشة . . . أفلا ترى كيف وفي الإنسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره .
تفضيل الإنسان بالقلم والبيان
تأمّل يا مفضّل ما أنعم اللّه - تقدّست أسماؤه - به على الإنسان ، من هذا المنطق الذي يعبر به عمّا في ضميره ، وما يخطر بقلبه ، وينتجه فكره ، وبه يفهم عن غيره ما في نفسه ، ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة ، التي لا تخبر عن نفسها بشيء ، ولا تفهم عن مخبر شيئا ،
هامش
( 1 ) قرى الضيف : أضافه .