وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين وأخبار الباقين للآتين ، وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها ، وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب ، ولولاه لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض ، وأخبار الغائبين عن أوطانهم ، ودرست العلوم وضاعت الآداب ، وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم ، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم ، وما روي لهم ، ممّا لا يسعهم جهله ، ولعلّك تظن أنها ممّا يخلص إليه بالحيلة والفطنة ، وليست ممّا أعطيه الإنسان من خلقه وطباعه .
وكذلك الكلام ، إنما هو شيء يصطلح عليه الناس ، فيجري بينهم ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة ، وكذلك الكتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي ، وغيرها من سائر الكتابة ، التي هي متفرّقة في الأمم إنما اصطلحوا عليها ، كما اصطلحوا على الكلام ، فيقال لمن ادّعى ذلك :
إن الإنسان وإن كان له في الأمرين جميعا فعل أو حيلة ، فإن الشيء الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة ، عطية وهبة من اللّه عزّ وجلّ له في خلقه ، فإنه لو لم يكن له لسان مهيّأ للكلام ، وذهن يهتدي به للأمور ، لم يكن ليتكلم أبدا ولو لم تكن له كفّ مهيّأة وأصابع للكتابة ، لم يكن ليكتب أبدا .
واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة ، فأصل ذلك فطرة الباري جلّ وعزّ ، وما تفضّل به على خلقه ، فمن شكر أثيب ، ومن كفر فإن اللّه غنيّ عن العالمين .
موسوعة الكلمة — صفحة 91
مساهمون: السيد حسن الحسيني الشيرازي
ص٩١