ذلك إلى العتوّ والأشر ، ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشّح وتتحلب فيفسد على الإنسان مقعده ومرقده وثياب بدلته وزينته ، بل كان يفسد عليه عيشه ، ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها اللّه محتبسة في الجوف ، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه ، لوصل برد الهواء إلى الجوف ، فمازج الحرارة الغريزية ، وبطل عمل الأحشاء ، فكان في ذلك هلاك الإنسان ، أفلا ترى أن كل ما تذهب إليه الأوهام - سوى ما جاءت به الخلقة - خطأ وخطل .
الرغبات النفسية
فكّر يا مفضّل في الأفعال التي جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع وما دبّر فيها . . . فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع نفسه محرّك يقتضيه ويستحث به ، فالجوع يقتضي الطعم الذي فيه راحة البدن وقوامه ، والكرى « 1 » يقتضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام « 2 » قواه ، والشبق « 3 » يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه ، ولو كان الإنسان إنما يصير إلى أكل الطعام ، لمعرفته بحاجة بدنه إليه ، ولم يجد من طباعه شيئا يضطّره إلى ذلك ، كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالثقل والكسل ، حتى ينهار بدنه فيهلك ، كما يحتاج الواحد إلى الدواء لشيء ممّا يصلح به بدنه فيدافع به حتى يؤدّيه ذلك إلى المرض والموت .
وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالفكر في حاجته إلى راحة البدن
هامش
( 1 ) الكرى : النعاس .
( 2 ) الإجمام : من الجمام وهو الراحة .
( 3 ) الشبق : بفتحتين شدّة الشهوة .