الذكر من الحيوان الذي يلقّح الإناث لتحمل وهو لا يحمل ، تأمل خلقة الجذع كيف هو ؟ فإنك تراه كالمنسوج نسجا من خيوط ممدودة كالسدى وأخرى معه معترضة كاللحمة « 1 » كنحو ما ينسج بالأيدي ، وذلك ليشتدّ ويصلب ولا يتقصّف من حمل القنوات « 2 » الثقيلة وهزّ الرياح العواصف إذا صار نخلة وليتهيأ للسقوف والجسور وغير ذلك ممّا يتّخذ منه إذا صار جذعا .
وكذلك ترى الخشب مثل النسج فإنك ترى بعضه مداخلا بعضه بعضا طولا وعرضا كتداخل أجزاء اللحم ، وفيه مع ذلك متانة ليصلح لما يتّخذ منه من الآلات فإنه لو كان مستحصفا « 3 » كالحجارة لم يمكن أن يستعمل في السقوف وغير ذلك ممّا يستعمل فيه الخشبة كالأبواب والأسرة والتوابيت وما أشبه ذلك ، ومن جسيم المصالح في الخشب أنه يطفو على الماء ، فكل الناس يعرف هذا منه ، وليس كلهم يعرف جلالة الأمر فيه ، فلو لا هذه الخلّة كيف كانت هذه السفن والأظراف تحمل أمثال الجبال من الحمولة ، وأنى كان ينال الناس هذا الرفق وخفّة المؤونة في حمل التجارات من بلد إلى بلد ، وكانت تعظم المؤونة عليهم في حملها حتى يلقى كثيرا مما يحتاج إليه في بعض البلدان مفقودا أصلا أو عسر وجوده .
حكمة العقاقير
فكّر في هذه العقاقير وما خصّ بها كل واحد منها من العمل في بعض الأدواء ، فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل
هامش
( 1 ) اللحمة : بالضم ، ما نسج عرضا .
( 2 ) القنوات : جمع قناة ، وهي العصا الغليظة والمراد بها السعف .
( 3 ) المستحصف : الشديد المحكم كأنه الحجارة .