الأبدان ويمضّها وفي ذلك عبرة لمن فكّر ، ودلالة على أنه من تدبير الحكيم ، في مصلحة العالم وما فيه .
حكمة تصريف الرياح
وأنبّهك يا مفضّل على الريح وما فيها ، ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث الكرب ، الذي يكاد أن يأتي على النفوس ، ويمرض الأصحّاء ، وينهك المرضى ، ويفسد الثمار ، ويعفن البقول ، ويعقب الوباء في الأبدان ، والآفة في الغلّات ، ففي هذا بيان أن هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق .
لولا الهواء ؟
وأنبئك عن الهواء بخلة أخرى ، فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الأجسام في الهواء ، والهواء يؤدّيه إلى المسامع ، والناس يتكلّمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم ، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء ، كما يبقى الكتاب في القرطاس ، لامتلأ العالم منه ، فكان يكربهم ويفدحهم ، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به ، إلى أكثر ممّا يحتاج إليه في تجديد القراطيس ، لأن ما يلفظ من الكلام أكثر ممّا يكتب ، فجعل الخلاق الحكيم جلّ قدسه هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ، ثم يمحى فيعود جديدا نقيا ، ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع ، وحسبك بهذا النسيم المسمّى هواء عبرة ، وما فيه من المصالح ، فإنه حياة هذه الأبدان ، والممسك لها من داخل ، بما يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه ، وفيه تطرد هذه الأصوات فيؤدّي البعد البعيد ، وهو الحامل لهذه الأرواح ينقلها من موضع إلى