فيه من الاعتبار ، وشرحت لك أمر الحيوان ، وأنا أبتدىء الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل والنهار ، والحرّ والبرد ، والرياح ، والجواهر الأربعة : الأرض والماء والهواء والنار ، والمطر والصخر والجبال والطين والحجارة والنخل والشجر وما في ذلك من الأدلة والعبر .
من أسرار السماء
فكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير ، فإن هذا اللون أشدّ الألوان موافقة وتقوية للبصر ، حتى أن من صفات الأطباء لمن أصابه شيء أضرّ ببصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد ، وقد وصف الحذاق منهم لمن كلّ بصره الاطلاع في أجانة خضراء مملوءة ماء ، فانظر كيف جعل اللّه جلّ وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المتقلّبة عليه ، فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر والروية والتجارب ، يوجد مفروغا منه في الخلقة حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون ، ويفكر فيها الملحدون ، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون .
اختلاف الليل والنهار
فكّر يا مفضّل في طلوع الشمس وغروبها ، لإقامة دولتي النهار والليل ، فلو لا طلوعها لبطل أمر العالم كله ، فلم يكن الناس يسعون في معائشهم ، ويتصرّفون في أمورهم ، والدنيا مظلمة عليهم ، ولم يكونوا يتهنون بالعيش مع فقدهم لذّة النور وروحه ، والأرب في طلوعها ظاهر مستغني [ مستغن - خ ] بظهوره عن الإطناب في ذكره ، والزيادة في شرحه ، بل تأمّل المنفعة في غروبها ، فلو لا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار