حتى ماتت ، أفرأيت لو لم أخبرك بذلك ، كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة ، أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة ، اعتبر بهذا وكثير من الأشياء يكون فيها منافع لا تعرف بحادث يحدث أو خبر يسمع به .
النحل : عسله وبيوته
انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل ، وتهيئة البيوت المسدّسة وما ترى في ذلك من دقائق الفطنة ، فإنك إذا تأمّلت العمل رأيته عجيبا لطيفا ، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس ، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته غبيا جاهلا بنفسه فضلا عمّا سوى ذلك ، ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل بل هي للذي طبعه عليها ، وسخّره فيها لمصلحة الناس .
الجراد وبلاؤه
انظر إلى هذا الجراد ما أضعفه وأقواه ! فإنك إذا تأمّلت خلقه رأيته كأضعف الأشياء ، وإن دلفت عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه ، ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو جمع خيله ورجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك ، أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه ، فلا يستطيع دفعه .
انظر إليه كيف ينساب على وجه الأرض مثل السيل ، فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر ، حتى يستر نور الشمس بكثرته ، فلو كان هذا ممّا يصنع بالأيدي ، متى كان تجتمع منه هذه الكثرة ؟ وفي كم سنة كان يرتفع ؟
فاستدلّ بذلك على القدرة التي لا يؤودها شيء ، ولا يكثر عليها .