تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكلمة — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم ، وجموم حواسّهم وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام ، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ، ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم ، فإن كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل بظلمته عليهم ، لم يكن لهم هدوء ولا قرار ، حرصا على الكسب والجمع والادّخار ، ثم كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها ، ويحمي كل ما عليها من حيوان ونبات ، فقدرها اللّه بحكمته وتدبيره ، تطلع وقتا وتغرب وقتا ، بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ، ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدأوا ويقرّوا ، فصار النور والظلمة ، مع تضادّهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه .

الفصول الأربعة

ثم فكّر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة ، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات ، فيتولّد فيهما مواد الثمار ، ويتكثّف الهواء فينشأ منه السحاب والمطر ، وتشتدّ أبدان الحيوان وتقوى ، وفي الربيع تتحرّك وتظهر المواد المتولّدة في الشتاء ، فيطلع النبات ، وتنور « 1 » الأشجار ، ويهيج الحيوان للسفاد ، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار ، وتتحلل فضول الأبدان ، ويجفّ وجه الأرض ، فتهيأ للبناء والأعمال ، وفي الخريف يصفو الهواء ، وترتفع الأمراض ، وتصحّ الأبدان ، ويمتدّ الليل ، فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله ، ويطيب الهواء فيه إلى مصالح أخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام .
هامش
( 1 ) تنور الأشجار : أي تخرج نورها ، بفتح فسكون ، أي زهرها .