طيور الماء
هل رأيت يا مفضّل هذا الطائر الطويل الساقين وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه ، فإنه أكثر ذلك في ضحضاح « 1 » من الماء فتراه بساقين طولين ، كأنه ربيئة « 2 » فوق مرقب « 3 » وهو يتأمّل ما يدبّ في الماء ، فإذا رأى شيئا ممّا يتقوّت به ، خطا خطوات رقيقا حتى يتناوله ، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه ، يصيب بطنه الماء ، فيثور ويذعر منه ، فيفرق عنه ، فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه .
تأمّل ضروب التدبير في خلق الطائر ، فإنك تجد كل طائر طويل الساقين طويل العنق ، وذلك ليتمكّن من تناول طعمه من الأرض ولو كان طويل الساقين قصير العنق ، لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض وربّما أعين مع العنق بطول المناقير ، ليزداد الأمر عليه سهولة وإمكانا ، أفلا ترى أنك لا تفتش شيئا من الخلقة إلّا وجدته على غاية الصواب والحكمة .
العصافير وطلبها للرزق
انظر إلى العصافير ، كيف تطلب أكلها بالنهار فهي لا تفقده ولا تجده مجموعا معدّا ، بل تناله بالحركة والطلب ، وكذلك الخلق كلّه فسبحان من قدّر الرزق كيف فرّقه ، فلم يجعل ممّا لا يقدر عليه ، إذ جعل بالخلق حاجة إليه ، ولم يجعل مبذولا يناله [ ينال - خ ] بالهوينا « 4 » إذ كان لا
هامش
( 1 ) الضحضاح : الماء اليسير ، أو القريب القعر .
( 2 ) الربيئة : العين التي ترقب .
( 3 ) المرقب : الموضع المرتفع يعلوه ، جمعه مراقب .
( 4 ) الهوينا : التؤدة والرفق ، وهي تصغير الهونى ، والهوني : تأنيث الأهون .