فلما كان من غد بعث معاوية ابنه يزيد ، إلى الإمام الحسن عليه السّلام وعبد اللّه ابن عبّاس . فأتياه فلمّا استقر بهما المجلس ، التفت إليهما معاوية ، مبتدئا : إني أجلّكما وأرفع قدركما عن المسامرة باللّيل ، ولا سيّما أنت يا أبا محمّد ، فإنك ابن رسول اللّه ، وسيد شباب أهل الجنّة .
ثم قال ابن العاص : يا حسن ، إنّا قد تفاوضنا ، فقلنا : إنّ رجال بني أمية أصبر عند اللّقاء ، وأمضى في الوغى ، وأوفى عهدا ، وأكرم خيما « 1 » ، وأمنع لما وراء ظهورهم ، من بني عبد المطّلب . ثم سكت .
فقال مروان بن الحكم : وكيف لا نكون كذلك ، وقد قارعناكم فغلبناكم ، وحاربناكم فملكناكم ، فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا .
ولما سكت مروان ، تكلّم زياد فقال : ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ، ويجحدوا الخير في سلطانه ، نحن أهل الحملة في الحروب ، ولنا الفضل على سائر النّاس قديما وحديثا .
فقال الإمام عليه السّلام :
ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجّة ، ولكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا ، ويصوّر الباطل بصورة الحقّ .
ثم وجّه عليه السّلام خطابه إلى عمرو بن العاص فقال له :
يا عمرو ، افتخارا بالكذب ، وجرأة على الإفك ؟ ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة ، أبديها مرة وأمسك عنها أخرى ، فتأبى إلا انهماكا في الضّلالة ، أتذكر مصابيح الدّجى ، وأعلام الهدى ، وفرسان الطّراد ،
هامش
( 1 ) الخيم ، بكسر الخاء وسكون الياء : السجية والطبيعة .