أما بعد : فإنّ اللّه تعالى بعث محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رحمة للعالمين ، فأظهر به الحقّ وقمع به الباطل ، وأذلّ أهل الشّرك ، وأعزّ به العرب عامّة ، وشرّف به من شاء منهم خاصّة ، فقال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
« 1 » ، فلما قبضه اللّه تعالى تنازعت العرب الأمر من بعده ، فقالت الأنصار : منّا أمير ومنكم أمير ، فقالت قريش : نحن أولياؤه وعشيرته ، فلا تنازعوا سلطانه ، فعرفت العرب ذلك لقريش ، ونحن الآن أولياؤه وذوو القربى منه ، ولا غرو أن منازعتك إيانا بغير حقّ في الدين معروف ، ولا أثر في الإسلام محمود ، والموعد اللّه تعالى بيننا وبينك ، ونحن نسأله تعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا « 2 » شيئا ينقصنا به في الآخرة .
وبعد : فإن أمير المؤمنين عليّا بن أبي طالب عليه السّلام لما نزل به الموت ولّاني هذا الأمر من بعده ، فاتّق اللّه يا معاوية وانظر لأمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما تحقن به دماءهم ، وتصلح به أمورهم ، والسّلام .
شفعني في سعيد « 3 »
ولما رجع الإمام عليه السّلام إلى المدينة وخلا الجو لمعاوية وعماله ، بدأوا بمطاردة شيعة الإمام ، فكانت مآسي كثيرة سجلها التاريخ بالدموع والدماء ، ومن تلك المآسي أن زياد بن أبيه طلب سعيد بن سرح من أجل تشيعه ، فأتى الحسن بن علي عليه السّلام مستجيرا به ، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم ، ونقض داره وصادر أمواله ، ولما علم الإمام الحسن عليه السّلام ذلك شق عليه ، فكتب من فوره إلى زياد ، يأمره بأن يعطي
هامش
( 1 ) سورة الزخرف ، الآية : 44 .
( 2 ) في المصدر : ( في الدنيا ) .
( 3 ) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد : ج 16 ص 194 .