ابتدع الأشياء بغير تفكير ، وخلقها بلا ظهير ولا وزير ، فطرها بقدرته ، وصيّرها بمشيئته ، وصاغ أشباحها ، وبرأ أرواحها ، واستنبط أجناسها ، خلقا مبروءا مذروءا في أقطار السماوات والأرضين ، لم يأت بشيء على غير ما أراد أن يأتي عليه ، ليري عباده آيات جلاله وآلائه ، فسبحانه لا إله إلّا هو الواحد القهّار ، وصلّى اللّه على محمّد وآله وسلّم تسليما . . .
أنت الفعّال لما تشاء
فتعاليت يا ربّ ، لقد لطف علمك ، وجلّت قدرتك عن التقسير ، إلّا بما دعوت إليه من الإقرار بربوبيّتك .
وأشهد أنّ الأعين لا تدركك ، والأوهام لا تلحقك ، والعقول لا تصفك ، والمكان لا يسعك ، وكيف يسع المكان من خلقه وكان قبله ؟ أم كيف تدركه الأوهام ولا نهاية له ولا غاية ؟ ! ! وكيف يكون له نهاية وغاية ، وهو الذي ابتدأ الغايات والنهايات ؟ أم كيف تدركه العقول ، ولم يجعل لها سبيلا إلى إدراكه ؟ وكيف يكون لها سبيل إلى إدراكه وقد لطف عن المحاسّة والمجاسّة ؟ وكيف لا يلطف عنهما من لا ينتقل عن حال إلى حال ، وقد جعل الانتقال نقصا وزوالا ؟ .
فسبحانك ملأت كلّ شيء ، وباينت كلّ شيء ، فأنت الذي لا يفقدك شيء ، وأنت الفعّال لما تشاء تباركت وتعاليت .
يا من كلّ مدرك من خلقه ، وكلّ محدود من صنعه ، أنت الذي لا تستغني عنك المكان والزّمان ، ولا نعرفك إلّا بانفرادك بالوحدانيّة والقدرة . . .