فمضت رؤوسها في الهواء ، ورست أصولها في الماء .
فأنهد جبالها عن سهولها ، وأساخ قواعدها في متون أقطارها ، ومواضع أنصابها ، فأشهق قلالها ، وأطال أنشازها ، وجعلها للأرض عمادا ، وأرّزها فيها أوتادا ، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها .
فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها لخلقه مهادا ، وبسطها لهم فراشا ، فوق بحر لجّيّ راكد لا يجري ، وقائم لا يسري ، تكركره الرّياح العواصف ، وتمخضه الغمام الذّوارف
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى
« 1 » .
الواحد لا من عدد « 2 »
ومن خطبة له عليه السّلام :
الحمد لله الذي لا من شيء كان ، ولا من شيء كوّن ما قد كان ، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته ، وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه .
لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّته ، ولا له شبه مثال فيوصف بكيفيّته ، ولم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثيّته .
مباين لجميع ما أحدث في الصفات ، وممتنع عن الإدراك بما ابتدع
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآية : 26 .
( 2 ) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي : ج 2 ص 5 - 14 ، عن كتاب التوحيد للصدوق : ص 51 ح 25 ، ورواه عيون أخبار الرضا : ص 99 ح 15 ، وقريبا منه العقد الفريد : ج 4 ص 130 .