لم يقرب من الأشياء بالتصاق ، ولم يبعد عنها بافتراق .
ولا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ، ولا كرور لفظة ، ولا ازدلاف ربوة ، ولا انبساط خطوة ، في ليل داج ، ولا غسق ساج ، يتفيّأ عليه القمر المنير ، وتعقبه الشّمس ذات النّور ، في الأفول والكرور ، وتقلّب الأزمنة والدّهور ، من إقبال ليل مقبل ، وإدبار نهار مدبر .
قبل كلّ غاية ومدّة ، وكلّ إحصاء وعدّة ، تعالى عمّا ينحله المحدّدون من صفات الأقدار ، ونهايات الأقطار ، وتأثّل المساكن ، وتمكّن الأماكن ، فالحدّ لخلقه مضروب ، وإلى غيره منسوب .
ابتدع الخلق ابتداعا
لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ، ولا من أوائل أبديّة ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه ، وصوّر فأحسن صورته ، ليس لشيء منه امتناع ، ولا له بطاعة شيء انتفاع ، علمه بالأموات الماضين ، كعلمه بالأحياء الباقين ، وعلمه بما في السّماوات العلى ، كعلمه بما في الأرضين السّفلى .
المحدود لا يتناول اللامحدود
أيّها المخلوق السّويّ ، والمنشأ المرعيّ ، في ظلمات الأرحام ، ومضاعفات الأستار ، بدئت من سلالة من طين ، ووضعت في قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، وأجل مقسوم ، تمور في بطن أمّك جنينا ، لا تحير دعاء ، ولا تسمع نداء ، ثمّ أخرجت من مقرّك إلى دار لم تشهدها ، ولم تعرف سبل منافعها .