أحسنت لهم صحبة ؟ بل أرهقتهم بالقوادح ، وأوهقتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنّوائب ، وعفّرتهم للمناخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون .
فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد .
وهل زوّدتهم إلّا السّغب ، أو أحلّتهم إلّا الضّنك ، أو نوّرت لهم إلّا الظّلمة ، أو أعقبتهم إلّا النّدامة ؟
أفهذه تؤثرون ؟ أم إليها تطمئنّون ؟ أم عليها تحرصون ؟ فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها .
فاعلموا ، وأنتم تعلمون بأنّكم تاركوها ، وظاعنون عنها ، واتّعظوا فيها بالّذين قالوا من أشدّ منّا قوّة .
حال الموتى
حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الصّفيح أجنان ، ومن التّراب أكفان ، ومن الرّفات جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة ، إن جيدوا لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا .
جميع وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعاد ، متدانون لا يتزاورون ، وقريبون لا يتقاربون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ، ولا يرجى دفعهم .