والدّنيا دار مني لها الفناء ، ولأهلها منها الجلاء ، وهي حلوة خضراء ، وقد عجلت للطّالب ، والتبست بقلب النّاظر ، فارتحلوا منها بأحسن ما بحضرتكم من الزّاد ، ولا تسألوا فيها فوق الكفاف ، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ .
الدنيا قد تصرّمت « 1 »
ومن خطبة له عليه السّلام :
ألا وإنّ الدّنيا قد تصرّمت وآذنت بانقضاء ، وتنكّر معروفها وأدبرت حذّاء ، فهي تحفز بالفناء سكّانها ، وتحدو بالموت جيرانها ، وقد أمرّ فيها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلّا سملة كسملة الإداوة ، أو جرعة كجرعة المقلة ، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع .
فأزمعوا عباد اللّه الرّحيل عن هذه الدّار ، المقدور على أهلها الزّوال ، ولا يغلبنّكم فيها الأمل ، ولا يطولنّ عليكم فيها الأمد .
كل شيء أمام ثواب اللّه قليل
فو اللّه لو حننتم حنين الولّه العجال ، ودعوتم بهديل الحمام ، وجأرتم جؤار متبتّلي الرّهبان ، وخرجتم إلى اللّه من الأموال والأولاد ، التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده ، أو غفران سيّئة أحصتها كتبه ، وحفظتها رسله ، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه ، وأخاف عليكم من عقابه .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم ( 52 ) ، والأمالي للمفيد : ص 159 - 161 المجلس 20 ح 2 ، ومصباح المتهجد : ص 663 - 664 خطبة يوم الأضحى .