الحياة إلى الأمام ، ولكن العلماء لا يهزلون ولا يعملون ، وإنما هم زهاد قد طلقوا الحياة ثلاثا أو تسعا ، فهم لا يتمتعون بالحياة ، ولا يدفعون الحياة إلى الأمام ، نظير المرتاضين الذين لا يتوغلون في الحياة ، لا انصرافا إلى العمل في سبيل مبدأ أو دين ، بل تلبية لسلبيتهم النظرية وتفسيرهم الخاطىء لمفهوم الحياة . فعزوفهم عن المباهج والتسليات ، ليس ناتجا من الانهماك المر العنيف في العمل الجدي الصاعد لصالح الإسلام ، وإلا لاسترجعوا مجده الغارب وجددوا كيانه المنهار ، وإنما هو تعبير عملي عن العزوف الفكري والعقيدي ، الذي لا قيمة له في رأي الإسلام التوسعي الزاحف .
ج - إن أكبر مميزات علماء المسلمين أنهم احتفظوا بأسلوبهم المبدئي الموروث عن الأنبياء والأئمة عليهم السّلام فهم لا يحتجبون عن الناس بالحرس والدوام والروتين ، بل يسمحون بأنفسهم وقفا على المصالح العامة ، تاركين حياتهم صفحة مفتوحة للجميع ، بحيث يتسنى لكل إنسان أن يتصل بأي واحد منهم متى شاء ، بلا وسيط ولا سابق استئذان . وفي وسعك أن تتصل بهم شخصيا ، وتتابع سيرتهم ، وتتصفح وجهات آرائهم ونشاطاتهم . وإنني أؤكد لك مقدما أنك لن تجد في يومياتهم فراغا شاغرا ، وإنما هو حدب وانكباب ، على العمل المرهق الطويل ، لو استثنينا فترات النوم والتغذية والعبادة .
وإذا كانت فترة العمل عند الناس - في اليوم الواحد - تتراوح بين ست ساعات وثماني ساعات ، فليس في العلماء من يقتنع بالعمل عشر ساعات ، لا ، ولا باثنتي عشرة ساعة ، بل إنهم يستهلكون الوقت كله في العمل ، عدا أحيان الاشتغال بالحاجات الضرورية ، التي لا يمكن
موسوعة الكلمة — صفحة 145
مساهمون: السيد حسن الحسيني الشيرازي
ص١٤٥