إذا قيل لك : لم تكتسب لمعاشك بالزراعة ، أو بالتجارة ، أو بغيرها ؟ قلت : لأقيم صلبي ، وأقوم في حياة نفسي ، وأهلي ، أو لغير ذلك من المصالح الّتي توجد عن السّبب ؟ . . أو قلت : لأنّ الشّارع ندبني إلى تلك الأعمال ، فأنا أعمل على مقتضى ما أمرت به ، كما أنّه أمرني أن أصلّي ، وأصوم ، وأزكي ، وأحجّ إلى غير ذلك من الأعمال الّتي كلفني بها ، فإن قيل لك : إنّ الشّارع أمر ، ونهى لأجل المصالح ، قلت : نعم ، وذلك إلى اللّه ، لا إليّ » « 1 » ولقد بحث المؤلف هذه القضية ، ونقيضها ، في صفحات جميلة ، وطويلة من موافقاته « 2 » ، ذاكرا على التّوالي الأسباب الّتي تساق لتأييد كلّ منهما ، ثمّ يختم بحثه بقوله بأنّ الحل الأخير يتصل بعوامل كثيرة ، وينبغي أن يختلف باختلاف الحالة ، « وهذان القسمان على ضربين : أحدهما : ما شأنه ذلك بإطلاق ، بمعنى أنّه يقوي السّبب ، أو يضعفه ، بالنسبة إلى كلّ مكلف ، وبالنسبة إلى كلّ زمان ، وبالنسبة إلى كلّ حال يكون عليها المكلف . والثّاني : ما شأنه ذلك ، لا بإطلاق ، بل بالنسبة إلى بعض المكلفين دون بعض ، أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض ، أو بالنسبة إلى بعض أحوال المكلف دون بعض » « 3 » .
وإنّ أهمية المشكلة ، وعمق تحليلها ، ليبيحان لنا أن نطيل الحديث قليلا في تلك الفكرة الجدلية ، حتّى نعطي للقارئ بيانا واضحا ، وكاملا بقدر الإمكان ، على أن نسمح لأنفسنا فيما بعد بتعديل الصّيغة ، أو إكمالها .
وحسبنا أن ننظر نظرة كمية إلى تحليله المزدوج لنستطيع القول - على الفور -
هامش
( 1 ) انظر ، الموافقات : 1 / 196 - 198 .
( 2 ) انظر ، الموافقات للشاطبي : 193 - 237 .
( 3 ) انظر الموافقات للشاطبي : 1 / 235 .