ومع ذلك ، فمما تجدر ملاحظته أنّ هذا القرآن لا يخلط مطلقا في موضوع التّنزه عن الغرض ما بين النّيّة ، والعمل .
فالقرآن ، على الرّغم من أنّه وصم أشياء هذه الدّنيا بالانحطاط ، لم يرد فيه أي توجيه ، أو وعظ يوجب على معتنقيه أن يتنازلوا عن الحياة زهدا ، وتقشفا . إنّه بكلّ تأكيد يذم التّطرف في كلّ شيء ، ولكنه لا يحرم مطلقا الرّفاهية الفردية ، ولا الازدهار الجماعي .
ففيما يتعلق بالرفاهية الشّخصية نجده يقول في كلمات صريحة :
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ؟
« 1 » .
وفيما يتعلق بنمو الزّراعة ، والتّجارة ، والصّناعة ، وتطور الكشف ، والحضارة بعامة - نجده يدعونا دائما إلى تحقيقه ، دون أن يمنع شيئا منه . ولا حاجة قط إلى تكرار النّصوص في هذا الموضوع ، بل يكفي أن نعطي منها نصا واحدا ، ذا أهمية لا حدّ لها ، وذا ألفاظ تجعل من كلّ ما يوجد في الأرض ، وعليها ، وكلّ ما يوجد في البحر ، وفي الهواء ، مسخرا للناس من لدن العناية الإلهية ، قال تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
« 2 » .
وكلّ ما في الأمر أنّ القرآن قد أخضع اكتساب هذه الموارد ، وتوزيعها ، واستعمالها لبعض القواعد العامّة الّتي تكفل خير الجميع في عدالة ، وجعل - فيما عدا ذلك - من هذا العالم معبرا ، ومنزلا مؤقتا :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ
هامش
( 1 ) الأعراف : 31 - 32 .
( 2 ) الجاثية : 13 .