تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 643

مساهمون:

ص٦٤٣
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
« 1 » . وإنّ القرآن ليمضي في هذا الاتجاه إلى حدّ القول بأنّ الّذي يأخذ الصّدقة ليس هو الفقير ، ولكنه اللّه سبحانه :
هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
« 2 » ، وللنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا المقام تعبير رائع ، حيث قال : « من تصدّق بصدقة من كسب طيب ، ولا يقبل اللّه إلّا طيبا ، كان إنّما يضعها في كف الرّحمن ، يربيها كما يربي أحدكم فلوّه ، أو فصيله ، حتّى تكون مثل الجبل » « 3 » . فمن مجموع هذه النّصوص يستنتج تحديد كامل للنّيّة الحسنة ، طبقا لمفهوم القرآن ، فهي حركة تعدل بها الإرادة الطّائعة عن كلّ شيء ، طوعا أو كرها ، ظاهرا ، أو باطنا ، كيما تتوجه نحو الجانب الّذي تتلقى منه الأمر . إنّها انفصال عن النّاس ، وعن أنفسنا ، واتصال بالمثل الأعلى ، والأزكى ، والأكمل : اللّه جلّ وعلا . والقرآن لا يقتصر على النّصوص المحددة ، الّتي غالبا ما تأتي في ألفاظ مستوعبة ، لتقدم لنا المثل الأعلى على أنّه الموضوع الوحيد الّذي يجب أن يضعه الإنسان نصب عينيه ، وهو يعمل :
وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
« 4 » ،
وَمَنْ
هامش
( 1 ) اللّيل : 17 - 20 . ( 2 ) التّوبة : 104 . ( 3 ) انظر ، موطأ الإمام مالك : 2 / 995 ح 1806 ، وسائل الشّيعة : 6 / 265 ح 5 ، صحيح مسلم : 2 / 702 ح 1014 ، المسند المستخرج على صحيح مسلم : 3 / 90 ح 2267 ، أمالي الطّوسي : 458 ، الجواهر السّنية للحر العاملي : 355 ، سنن التّرمذي : 3 / 49 ح 661 ، بحار الأنوار : 71 / 410 ح 16 ، سنن الدّارمي : 1 / 485 ح 1675 ، السّنن الكبرى : 2 / 31 ح 2304 ، مسند أحمد : 2 / 418 ح 9413 ، التمهيد لابن عبد البر : 23 / 172 ح 127 . ( 4 ) البقرة : 272 .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 643 | محمد عبد الله دراز