تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
بحيث لا تبلغ قيمتها إلّا في العمل التّام . هذا التّدرج مقبول من النّاحية العقلية ، ولكنه عندما يصبح متعلقا بجزاء إلهي فربما نجد من الجرأة أن نريد تحديد فضل اللّه ، وأن نجعله خاضعا لمقاييسنا ، الّتي تثبت أنّها معيبة غالبا . إنّ من المستبعد أن نحكم على هذه الأمور الإلهية بأنوارنا الفطرية وحدها ، فنحن نعلم أنّه في مجال الحقائق المنزلة يجب أن نطبق منهجا مناسبا ، بأن نلجأ إلى النّصوص الّتي أوحت إلينا هذه الحقائق ، وكلّ ما نملك هو أن نحسن الاختيار من بين هذه النّصوص . وإذن ، فإنّ لدينا - أوّلا - أصلا من المبدأ القرآني ، ينبغي أن يؤدي دوره في تفسير جميع النّصوص الخاصة ، فالعدالة الإلهية ، الّتي يعبر عنها القرآن لا تحكم على الأشياء جملة ، أو بصفة تقريبية ، وإنّما هي تزن ميزانا دقيقا كلّ درجة من درجات الجهد :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
« 1 » ، حتّى لو كان في وزن الذّرة :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
« 2 » .
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 3 » فإذا كان الجهد الباطن يستغرق الأجر كلّه فكم من الذرات يضيع ! ! وإنّه لجدير بنا أن نقول : إنّ لفضل اللّه مطلق الحقّ في أن يتقبل هذا العمل ، أو ذاك بإحسان أكثر ، وأن يخصه بأجر أكرم مما يستحق في ذاته ، ومن ثمّ يرتقي بالنّيّة إلى مستوى العمل ، وذلك كلّه بعد أن
هامش
( 1 ) الأحقاف : 19 . ( 2 ) يونس : 61 . ( 3 ) الزّلزلة : 7 - 8 .