تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
بالموضوع في صورة علاقة طبيعية ، وأوشك أن أقول : تحليلية ، لا أن تكون علاقة اصطلاحية ، يقدمها التّشريع . والنّصوص الّتي سوف نرجع إليها الآن مختارة بطريقة تجيب عن هذا الشّرط المزدوج ، فهي تكون القسط الأوفى ، والأكثر تجردا ، وتنزها عن الغرض ، في المنهج التّبليغي للقرآن ، ففيها إلحاح على النّزعة الأخلاقية ، بوسائل أخلاقية ، ومن أجل غايات أخلاقية ، بل إنّ هذه النّصوص لا تشير إلى ما نجده في مواضع أخرى من أنّ الباطل ، والشّر يمران ، وينتهيان إلى عدم ، وأنّ الحقّ ، والخير يبقيان ، ويحملان ثمرات خالدة ، لا تفنى ، وذلك كما ورد في قوله تعالى على سبيل الرّمز :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
« 1 » ، وقوله :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
« 2 » . فقد جذب الانتباه هنا أساسا ، إلى الصّفات الذاتية بخاصة ، من حيث هي . ولولا أننا قد أجرينا اختيارا دقيقا ، لكان في وسعنا تطويل قائمة أسانيدنا ، ولذلك ألزمنا أنفسنا - أوّلا - ألا نختار من القرآن سوى ما يتصل بالتعليم القرآني ، بالمعنى الدّقيق للكلمة ، أعني : مستقلا عن التّعاليم السّابقة عليه ، والمذكورة
هامش
( 1 ) الرّعد : 17 . ( 2 ) إبراهيم : 24 - 26 .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 419 | محمد عبد الله دراز