تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
لا يكفي بداهة لرفع آثار العمل المقترف ، وعليه ، فإنّ التّوبة بهذا المعنى لا تؤدي وظيفتها الإصلاحية ، في الأخلاق الإسلامية ، ففي هذه الأخلاق يقصد ( بالتوبة ) في الواقع موقف للإرادة أكثر تعقيدا ، موقف ينظر إلى الماضي ، والحاضر ، والمستقبل ، ويتجلى في الأفعال ، لا في اتخاذ خط سلوك جديد فحسب ، ولكن أيضا في إعادة تجديد البناء الّذي تهدم بصورة منهجية . وتعبير القرآن تعبير بناء جدا في هذا الصّدد ، فهو يضيف دائما إلى كلمة ( تاب ) كلمات أخرى مثل :
وَأَصْلَحَ *
- أو -
وَأَصْلَحُوا *
« 1 » ، أو قوله :
ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا
« 2 » ، فهو مجموع من الشّروط الّتي جعلها ضرورية لكسب الغفران الموعود . وأوّل دليل على التّوبة النّصوح ، هو الواجب الآنيّ المعجل ، الّذي بدونه تصبح فكرة التّوبة متناقضة . هذا الواجب ينحصر في العدول السّريع عن الذنب ، أعني : إيقاف الشّر الّذي كان المذنب يوشك أن يجترحه . ثمّ تأتي من بعد ذلك عمليتان إيجابيتان تكملان هذا الدّليل ، هما : إصلاح الماضي ، وتنظيم مستقبل أفضل . وفكرة ( الإصلاح ) هي وحدها الّتي تبقى غامضة ، لا يستطاع تحديدها كمفهوم له معنى وحيد ، وهي تبدو لنا - في الواقع - تغير من طبيعتها ، تبعا لنوع الخطأ الواجب إصلاحه . فإذا كان الخطأ في واجب أهمل ، وما زال الأمر به قائما ، فإنّ الإصلاح ينبغي أن يتمثل في قضاء حقيقي ، ذي طابع أخلاقي ، فكلمة ( أصلح ) هنا تعني ( تدارك ) ، فالعمل النّاقص يجب أن يعاد ، ويؤدى بطريقة مناسبة ، آجلا ، أو
هامش
( 1 ) البقرة : 160 ، والأنعام : 54 ، والنّحل : 119 . ( 2 ) المائدة : 93 .