تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الأخلاق — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وهذا ينتج خلافا في الواجبات ، فما يجب على حاكم غير ما يجب على أحد الرعية ، وما يجب على غني غير ما يجب على فقير ، وعلى كل إنسان - كائنا ما كان - يؤدي واجبه ، ولا يستصغرن أحد ما يجب عليه ، فكثيرا ما تتوقف كبار الواجبات على صغارها ، فمثلا لا يصح أن نعد عمل الكناسين في الشوارع والأزقة واجبا تافها حقيرا ، فإن عليه تتوقف حياة كثير من الناس وحسن صحتهم ، وليس هذا بالأمر الهين ، وإن كسر قطعة صغيرة في سفينة قد يؤدي إلى غرقها ، كما قد يؤدي إلى ذلك فقد سكانها ( دفتها ) ، وضياع مسمار صغير في ساعة قد يؤدي إلى وقوفها كضياع الترس .

أداء الواجب :

على كل إنسان أن يؤدي واجبه ؛ ذلك لأن الإنسان في هذه الحياة لا يعيش لنفسه فحسب ، بل يعيش له وللناس ، وأداء الواجب يؤدي إلى هذه السعادة ، فالتلميذ الذي يؤدي واجبه لأسرته ومدرسته يسعد والديه ، والأغنياء بتأديتهم ما عليهم من بناء للمستشفيات وتبرع للجامعات ونحوها يزيدون في راحة الناس ؛ وعلى العكس من ذلك السارقون والسكيرون ، فإنهم بإهمالهم الواجب عليهم وعدم إطاعتهم قوانين البلاد يزيدون في شقاء الناس وتعاستهم - ولا يبقى العالم ويرقى إلا بأداء الواجب ، ولو أن مجتمعا قصر في أداء كل واجباته أياما لفني ، فلو أن المدينين لم يؤدوا ديونهم ، ورفض طلبة المدارس أن يتعلموا ، ولم يؤد أفراد الأسرة واجبهم ، ورفض كل ذي عمل أن يؤدي عمله ، لحاق بالمجتمع الفناء العاجل ؛ وبقدر قيام الأفراد بواجبهم يقاس رقي الأمة . يجب أن نؤدي الواجب لأنه واجب ، نؤديه إطاعة لوجداننا لا طمعا في ربح نناله ، ولا رغبة في شهرة نحصلها ، إن الذين يفعلون لك الخير لما يرجون منك من الخير تجار يبيعون اليوم ما يقبضون ثمنه غدا ، إنما مثلنا الأعلى أن نصل الرقي إلى حد أن نتلذذ من عمل الخير للناس كما نتلذذ من وصول الخير إلينا ، ونردد مع أبي العلاء قوله :
فلا هطلت علي ولا بأرضي * سحائب ليس تنتظم البلادا
بل مع البارودي قوله :
أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ * أحق بالري لكني أخو كرم