بين المنكبين ، سبط الكتفين ، ضخم الكراديس « 1 » ، قليل لحم العقب ، كثّ اللحية عظيم الرأس ، شعره إلى الشحمة الأذنية ، وبين كتفيه خاتم النبوّة ، قد عمّه النور وعلاه ، وعرقه كالؤلؤ وعرفه أطيب من النفحات المسكيّة ، يتكفّأ « 2 » في مشيته كأنّما ينهط من صبب إرتقاه ، وإن يصافح المصافح بيده الشريفة فيجد منها سائر اليوم رائحة عبهرية « 3 » ، ويضعها على رأس الصبي فيعرف مسّه له من بين الصبية ويدراه . يتلألأ وجهه الشريف تلألأ القمر في الليلة البدريّة ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ولا بشر يراه .
وكان صلى اللّه عليه وآله شديد الحياء والتواضع ، يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب شاته ، ويسير في خدمة أهله بسيرة سرية ، ويحبّ المساكين ويجلس معهم ويعود مرضاهم ، ويشيّع جنائزهم ، ولا يحقّر فقيرا دقعه الفقر وأشواه « 4 » ويقبل المعذرة ، ولا يقابل أحدا بما يكره ، ويمشي مع الأرملة وذي العبودية ، ولا يهاب الملوك ، ويغضب للّه ويرضى لرضاه ، ويمشي خلف أصحابه ، ويقول : خلّوا ظهري للملائكة الروحانية .
ويركب البعير والفرس والبغلة الحمار بعض الملوك إليه أهداه ،
هامش
( 1 ) - كل عظم كثير اللحم عظمت نحفته كردوس ، ومنه قول أمير المؤمنين عليه السّلام في صفة النبي صلى اللّه عليه وآله : ضخم الكراديس . لسان العرب مادة كردس : ج 6 ، ص 195 .
( 2 ) - أي يتمايل إلى القدام ، وقيل يتمايل يمينا وشمالا . راجع مجمع البحرين مادة كفا : ج 1 ، ص 359 .
( 3 ) - العبهر : الياسمين ، سمّي به لنعمته . لسان العرب مادة عبهر : ج 4 ، ص 536 .
( 4 ) - أشواه : أي أصابه ولم يقتله . لسان العرب مادة شوى : ج 14 ، ص 446 .