فقال : إنّي لم أبعث لعّانا ولكنّي بعثت داعيا ورحمة ، اللهمّ إهد قومي فإنهم لا يعلمون « 1 » .
وروي عن عمر أنه قال في بعض كلامه : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه ، لقد دعا نوح على قومه ، فقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
« 2 » ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا عن آخرنا ، فلقد وطيء ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك ، فأبيت أن تقول إلّا خيرا ، فقلت : اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون « 3 » .
قال القاضي : أنظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان ، وحسن الخلق ، وكرم النفس ، وغاية الصبر والحلم ، إذ لم يقتصر صلى اللّه عليه وآله على السكوت عنهم حتّى عفا عنهم ثمّ أشفق عليهم ورحمهم ودعا لهم وشفع لهم ، فقال : اللهمّ اغفر أو إهد . ثمّ أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله : لقومي ثمّ اعتذر عنه بجهلهم ، فقال صلى اللّه عليه وآله : فإنّهم لا يعلمون « 4 » .
وروي أيضا عن أنس قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وآله وعليه برد غليظ الحاشية فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتّى أثّرت حاشية البرد في
هامش
( 1 ) - الشفاء بتعريف حقوق المصطفى : ج 1 ، ص 105 .
( 2 ) - سورة نوح ( 71 ) آية : 26 .
( 3 ) - تفسير الثعالبي : ج 2 ، ص 104 .
( 4 ) - الشفا بتعريف حقوق المصطفى : ج 1 ، ص 106 .