تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) *
ثمّ قال جلّ من قائل :
( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا )
ثمّ أجمل لكلّ فقال وهو أصدق القائلين : ( ومن جاهد فإنّما يجاهد لنفسه إنّ اللّه لغنىّ عن العالمين ) ونحن نستغفر اللّه تعالى من كلّ ما زلّ به القدم أو طغا به القلم ، ونستغفره من كلّ أقاويلنا الّتى لا توافق أعمالنا ، ونستغفره من كلّ ما ادّعيناه وأظهرناه من العلم بدين اللّه تعالى ، مع التّقصير فيه ، ونستغفره
شرح
المنهيات ( إن اللّه خبير بما تعملون ) فيه تحريض على المراقبة لأن من علم وقت فعله أن اللّه مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنه ( ثم قال جل من قائل« وَالَّذِينَ جاهَدُوا )اطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول ليتناول كل ما تجب مجاهدته من النفس والشيطان وأعداء الدين ( فينا ) اى في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصا ( لنهدينهم سبلنا ) قال أبو عمرو : أي لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا ، وعن الدارانى : والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا . فقد قيل : من عمل بما علم وفق لما لا يعلم ، وقيل إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم إنما هو لتقصيرنا فيما نعلم ، وعن فضيل : والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به ، وعن سهل : والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة ، وعن ابن عطاء جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى الوصول محل الرضوان ، وعن ابن عباس : جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا ، وعن الجنيد : جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا أو جاهدوا في طلبنا تحريا لرضانا لنهدينهم سبل الوصول الينا ( ثم أجمل ) اللّه تعالى ( لكل ، فقال وهو أصدق القائلين ومن جاهد ) نفسه بالصبر على طاعة اللّه أو الشيطان بدفع وساوسه أو الكفار ( فإنما يجاهد لنفسه ) لأن منفعة ذلك ترجع إليها ( إن اللّه غنى عن العالمين ) أي عن أعمالهم وعباداتهم ، وفيه بشارة وتخويف . أما البشارة فلأنه إذا كان غنيا عن الأشياء فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عبيده لا شئ عليه لاستغنائه عنه وهذا يوجب الرجاء التام ، وأما التخويف فلأن اللّه إذا كان غنيا عن العالمين فلو أهلكهم بعذابه فلا شئ عليه لاستغنائه عنهم ( ونحن نستغفر اللّه تعالى من كل ما زل به القدم أو طغا ) أي جاوز الحد ( به القلم ) في كتابنا هذا المسمى بالمنهاج وفي سائر كتبنا ( ونستغفره ) تعالى ( من كل أقاويلنا التي لا توافق أعمالنا ويستغفره من كل ما ادعيناه وأظهرناه من العلم ) والبصيرة ( بدين اللّه تعالى مع التقصير فيه ) أي فيما ادعيناه وأظهرناه ( ونستغفره ) سبحانه وتعالى من علم وعمل قصدنا به وجهه الكريم ثم خالطه غيره ، ونستغفره من كل وعد وعدناه من أنفسنا ثم قصرنا في الوفاء به ، ونستغفره من كل نعمة أنعم بها علينا فاستعملناها في معصيته ، ونستغفره من كل تصريح وتعريض بنقصان ناقص وتقصير