سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 408
وعزرائيل ، وحملة العرش والكروبيّون والرّوحانيّون ، وسائر الملائكة المقرّبين الّذين لا يحصى عددهم إلّا اللّه ربّ العالمين ، في منازلهم الرّفيعة وأنفسهم الطّاهرة وعباداتهم العظيمة ، كطوفان نوح عليه السّلام ، ومن عظمه أنه لو صبت جميع مياه البحار والأنهار على رأسه ما وقع منها قطرة على الأرض ( وعزرائيل ) بفتح العين كما جزم به بعضهم ، ومعناه عبد الجبار ، وهو موكل بقبض أرواح الخلائق : أي باخراج كل من له روح من مقرها ولو قملة أو بعوضة أو برغوثا كما ذهب إليه أهل الحق خلافا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه لا يقبض أرواح أهل الثقلين من الملائكة والطيور وغيرهم ، وخلافا للمبتدعة حيث ذهبوا إلى أنه لا يقبض أرواح البهائم بل يقبضها أعوانه ، وهو ملك عظيم هائل المنظر رأسه في السماء العليا ورجله في تخوم الأرض السفلى : أي منتهاها ووجهه مقابل اللوح المحفوظ والخلق بين عينيه وله أعوان بعدد من يموت ، يترفق بالمؤمن ويأتيه في صورة حسنة دون غيره كذا ذكره بعضهم ، ويقال إن ملك الموت له أربعة أوجه : وجه من أمامه ووجه من على رأسه ووجه خلف ظهره ووجه تحت قدميه ، فيأخذ أرواح الأنبياء والملائكة بالوجه الذي على رأسه وأرواح المؤمنين من الوجه الذي أمامه وأرواح الكفار من الوجه الذي خلف ظهره وأرواح الجن من الوجه الذي تحت قدميه ، ويقال إن ملك الموت يقلب الدنيا بين يديه كما يقلب الآدمي درهمه ، وله في جسده عيون بعدد الخلائق فإذا مات مخلوق في الدنيا ذهب عين من جسده كذا قاله السيوطي [ الكلام في حملة العرش والكروبيين والروحانيين ] ( وحملة العرش ) وهم أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا وهم في الدنيا أربعة وفي القيامة ثمانية . قال اللّه تعالى « وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » ، وهم على صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما للطائر المسرع . وأما صفة العرش فقيل إنه جوهرة خضراء وهو من أعظم المخلوقات خلقا ، ويكسى كل يوم ألف لون من النور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق اللّه تعالى والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة ، وقيل إن العرش قبلة أهل السماء كما أن الكعبة قبلة أهل الأرض ( والكروبيون ) بفتح الكاف وتخفيف الراء هم سادات الملائكة وهم الذين حول العرش الطائفون به ، لقبوا بذلك لأنهم متصدون للدعاء برفع الكرب عن الأمة ، وقيل غير ذلك ( والروحانيون ) جمع الروحاني بضم الراء نسبة إلى الملائكة ، قيل هم في أرض بيضاء كالرخام عرضها مسيرة الشمس أربعين يوما طولها لا يعلمه إلا اللّه ولهم زحل بالتسبيح والتهليل لو كشف عن صوت أحدهم لهلك أهل الأرض من هول صوته منتهاهم إلى حملة العرش ( وسائر الملائكة المقربين ) إلى اللّه عز وجل ( الذين لا يحصى عددهم إلا اللّه رب العالمين في منازلهم الرفيعة وأنفسهم الطاهرة وعبادتهم العظيمة ) لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وهم مكرمون بالعصمة من الزلل لا يسبقون إذنه تعالى بالقول وهم بأمره تعالى إذا أمرهم يعملون لأنهم في غاية المراقبة له تعالى فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية