ألا يقال إنّ ذلك لسفيه جدّا أو مجنون لا يعقل شيئا ، ولمّا تقرّر هذا فإنّ إلهنا سبحانه هو الملك الّذى يسبّح له السّموات السّبع والأرض ومن فيهنّ ، وإن من شئ إلّا يسبّح بحمده ، والمعبود الّذى يسجد له من في السّموات والأرض طوعا وكرها ؛
شرح
الخدمة ( ألا يقال إن ذلك ) الحقير الذي فعل ما فعل من الامتنان والاستعظام والإعجاب ( لسفيه حدا أو مجنون لا يعقل شيئا ، ولما تقرر هذا ) أي الأصل الثالث ( فان إلهنا سبحانه هو الملك الذي تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ) أي الملائكة والإنس والجن ( وإن ) أي ما ( من شئ إلا يسبح بحمده ) قال ابن عباس : وإن من شئ حي إلا يسبح بحمده . وقيل جميع الحيوانات والنباتات . قيل : إن الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح . وقيل : إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح ، وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع عن موضعها فإذا رفعت تركت التسبيح ، وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح ، وإن الماء يسبح ما دام جاريا فإذا ركد ترك التسبيح ، وأن الثوب يسبح ما دام جديدا فإذا اتسخ ترك التسبيح ، وإن الوحش والطير لتسبح إذا صاحت فإذا سكنت تركت التسبيح . وقيل وإن من شئ جماد أوحى إلا يسبح بحمده حتى ضرير الباب ونقيض السقف . وقيل : كل الأشياء للّه حيوانا كان أو جمادا وتسبيحها : سبحان اللّه وبحمده ، ويدل على ذلك ما روى عن ابن مسعود قال : كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا ، كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر فقل الماء فقال اطلبوا فضلة من ماء فجاونا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده صلّى اللّه عليه وسلّم في الإناء ثم قال حي على الطهور المبارك والبركة من اللّه ، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . أخرجه البخاري ، وروى مسلم عن جابر بن سمرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن بمكة حجرا يسلم على ليالي بعثت وإني لا أعرفه الآن » وروى البخاري عن ابن عمر قال « كان رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح بيده الشريفة عليه » . وفي رواية : « فنزل فاحتضنه وساره بشيء » ففي هذه الأحاديث دليل على أن الجماد يتكلم وأنه يسبح . وقال بعض أهل المعاني : تسبيح السماوات والأرض والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان الحال بحيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك ويصير لها بمنزلة التسبيح ، والقول الأول أصح لما دلت عليه الأحاديث وأنه منقول عن السلف . واعلم أن للّه تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن نكل علمه إليه ، كذ قاله الخازن ( و ) هو تعالى ( المعبود الذي يسجد له من في السماوات ) من الملائكة ( و ) من في ( الأرض ) من المؤمنين ( طوعا ) لأهل السماء لأن عبادتهم بغير مشقة ( وكرها ) لأهل الأرض لأن عبادتهم بالمشقة ، ويقال طوعا لأهل الاخلاص وكرها لأهل النفاق ، ويقال طوعا لمن ولد في الاسلام جبرا ونص الكتاب العزيز« وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً »قال بعض المفسرين في معنى هذا