شرح
الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين إلى الرسغين ، وهذا لا يناقضه ما رواه الترمذي « أنه صلّى اللّه عليه وسلم قرّب إليه طعام فقالوا ألا نأتيك بوضوء ؟ قال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة » لأن المراد بذلك الوضوء الشرعي ، وهنا الوضوء اللغوي ، وفيه رد على من زعم كراهة غسل اليد قبل الطعام وبعده ، وما تمسك به أنه من فعل الأعاجم لا يصلح حجة ولا يدل علي اعتباره دليل .
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر ، وبعده ينفى اللمم » : أي الجنون ، وفي رواية « ينفى الفقر قبل الطعام وبعده » رواه القضاعي في مسند الشهاب من رواية موسى الرضا عن آبائه متصلا كما ذكره العراقي ، قال صاحب العوارف : وإنما كان الوضوء قبل الطعام موجبا لتفى الفقر ، لأن غسل اليد قبل الطعام استقبال للنعمة بالأدب ، وذلك من شكر النعمة ، والشكر يستوجب المزيد ، فصار غسل اليد مستجلبا للنعمة مذهبا للفقر ، فقد روى أنس عن النبي صلي اللّه عليه وسلم « من أحب أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه وإذا رفع » . قال المنذري في الترغيب : المراد هنا غسل اليدين .
[ الأدب الثاني ] التسمية في أول الأكل ، ولو قال مع كل لقمة يرفعها إلى فمه : بسم اللّه فهو أحسن حتى لا يشغله الشره عن ذكر اللّه تعالى ، ويقول مع اللقمة الأولى : بسم اللّه ، ومع الثانية بسم اللّه الرحمن ، ومع الثالثة بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هكذا ذكره صاحب القوت ، وإن أتم مع كل لقمة كان حسنا ويجهر به ليذكر غيره إن كان ناسيا . وعن أنس مرفوعا « من أحبّ أن يكثر خير بيته فليتوضأ إذا حضر غذاؤه ثم يسم اللّه تعالى » فقوله تعالى -وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ- تفسيره تسمية اللّه عند ذبح الحيوان .
واختلف الشافعي وأبو حنيفة في وجوب ذلك ، وفهم الصوفي منه تقييد القيام بظاهر التفسير أن لا يأكل الطعام إلا مقترنا بالذكر وذلك فريضة وقته وأدبه ، ويرى أن تناول الطعام والماء داء ينتج من آفة النفس ومتابعة هواها ، ويرى ذكر اللّه دواءه وترياقه . ويروى عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل الطعام في ستة نفر من أصحابه ، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أما إنه لو كان يسمى اللّه كفاكم ، فإذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم اللّه ، فإن نسي أن يقول بسم اللّه فليقل بسم اللّه أوله وآخره » قال صاحب العوارف : واعلم أن ذكر اسم اللّه تعالى في أول الطعام هو الدواء النافع لدفع عوارض القلب الحادثة من اللقمة المتناولة . قال : وحكى أن الإمام أبا حامد الغزالي قدس سره لما رجع إلى طوس وصف له في بعض القرى عبد صالح فقصده زائرا فصادفه وهو في صحراء له يبذر الحنطة في الأرض ، فلما رآه أقبل إليه وحادثه ، فجاءه رجل من أصحابه وطلب منه البذر لينوب عن الشيخ في ذلك وقت اشتغاله بالغزالي ، فامتنع ولم يعطه البذر ، فسأله الغزالي عن سبب امتناعه ؟ فقال لأنى أبذر هذا البذر بقلب حاضر ذاكر أرجو البركة فيه لكل من يتناول منه شيئا فلا أحب أن أسلمه إلى هذا فيبذره بلسان غير ذاكر وقلب غير حاضر . قال : وكان بعض الفقراء عند الأكل يشرع في قراءة سورة من القرآن يخص الوقت بذلك حتى تنغمر أجزاء الطعام بأنوار الذكر ، ولا يعقب الطعام