سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 34
فلا يعود إلى حاله أبدا ، وكم من أكلة حرمت قيام ليلة ، وكم من نظرة منعت قراءة سورة وإنّ العبد ليأكل أكلة فيحرم بها قيام سنة ، فعليك أيّها الرّجل بالنّظر الدّقيق والاحتياط البالغ الشّديد في قوتك إن كانت لك عناية بقلبك وهمّة في عبادة ربّك ، هذا في أصل القوت حتّى يكون من وجهه ، ثمّ عليك بالأدب فيه ، فلا يعود ) ذلك القلب ( إلى حاله ) الأول ( أبدا ، وكم من أكلة حرمت ) أي منعت ( قيام ليلة ) أي صلاتها وذلك لخبث أصل تلك الأكلة ( وكم من نظرة ) إلى ما لا يفيد صاحبها ( منعت قراءة سورة ) من سور القرآن ( وإن العبد ليأكل أكلة فيحرم ) أي يمنع العبد ( بها ) أي بسبب تلك الأكلة ( قيام سنة ، فعليك أيها الرجل ) المهذب للأخلاق السالك طريق الحق ( بالنظر ) والفكر ( الدقيق والاحتياط البالغ ) أي الواصل إلى الكمال ( الشديد في قوتك ) أي طعامك ( إن كانت لك عناية ) أي قصد ( بقلبك وهمة ) عليه ( في عبادة ربك ، هذا ) أي المذكور من النظر الدقيق والاحتياط البالغ ( في أصل القوت حتى يكون ) أي هذا القوت ( من وجهه ) أي جهة حله . [ آداب الأكل ] ( ثم عليك ) أي الزم ( بالأدب فيه ) أي في قوتك : أي في أكله لأن الأكل من الدين قدمه اللّه على العمل ، وعليه نبه سبحانه وهو أصدق القائلين - كلوا من الطيبات واعملوا صالحا - . وكان سهل يقول : من لم يحسن أدب الأكل لم يحسن أدب العمل ، فمن يقدم على الأكل بنية صالحة : وهي الاستعانة به على العلم والعمل ، ويقوى به على التقوى ، فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملا سدى يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى فيأكل من غير قانون ينتهى إليه كما تأكل الدواب ، فإنما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إلى إقامته ينبغي أن تظهر أشعة أنوار الدين عليه ، وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ، ويلجم المتقى بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامها وإحجامها ، فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أو في حظ النفس . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه ، وإلى في امرأته » كذا أورده صاحب القوت ، وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين مراعيا فيه آدابه وهي كثيرة ، وقد استوفى الكلام على ذلك حجة الإسلام في إحيائه ، ونذكر في هذا المقام : عشرة للأكل ، وستة للشرب روما للاختصار . [ الأدب الأول ] غسل اليدين قبل الطعام وبعده . روى الحاكم في تاريخه من رواية الحكم ابن عبد اللّه الأيلى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عائشة مرفوعا « الوضوء قبل الطعام حسنة وبعد الطعام حسنتان » . قال السيوطي في الخصائص : إنما كان غسل اليدين بعد الطعام بحسنتين ، لأنه شرعه ، وقبله بحسنة لأنه شرع التوراة ، ثم إن المراد بالوضوء في هذا الحديث